رأي

السلطة أولاً… ثم الوطن لاحقاً؟ أزمة العقل المؤسسي في تحالف تأسيس

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

من الأخطاء القاتلة في مسارات التحول السياسي أن تُختصر الثورات في سلطة، وأن يُستعجل الجلوس على الكراسي قبل بناء الأرضية التي تحملها. وهذا – للأسف – ما وقع فيه تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)، حين اندفع نحو تشكيل حكومة قبل استكمال هياكله التنظيمية والتشريعية والفكرية، في خطوة تطرح أسئلة خطيرة لا تتعلق بالإجراءات فحسب، بل بجوهر المشروع نفسه: هل ما زال التحالف يقوده عقل تأسيسي، أم أن منطق الغنيمة السياسية بدأ يتسلل إلى داخله مبكراً؟

لا جدال في أن تحالف تأسيس أنجز – على المستوى النظري – واحدة من أعمق وأجرأ الوثائق السياسية منذ استقلال السودان. الوثيقة السياسية، والدستور، والمبادئ فوق الدستورية، عالجت جذور الأزمة السودانية بوضوح غير مسبوق: دولة مدنية لامركزية، علمانية، تقوم على المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، تعترف بالتنوع، وتقرّ مبدأ الوحدة الطوعية، وتؤسس لجيش قومي مهني جديد غير مؤدلج. هذه أطروحات تمثل قطيعة حقيقية مع دولة ما بعد الاستعمار، ومع دولة الإسلام السياسي والعسكر.

لكن الحقيقة القاسية أن الأفكار – مهما بلغت عظمتها  لا تحكم وحدها.

الأفكار العظيمة تموت إذا لم تجد مؤسسات تحميها

السؤال الجوهري هنا: أين المواعين التنظيمية التي تحوّل هذه الرؤى إلى واقع حيّ يمشي بين الناس؟ أين الجهاز المفاهيمي، والعقل المدبر، والهيئات التي تراقب وتحاسب وتضبط الاتجاه؟

كان من البدهي – بل من المنطقي سياسياً وتنظيمياً – أن يمضي تحالف تأسيس أولاً نحو بناء هياكله الداخلية:

هيئة تشريعية فدرالية، تمثل كل الموقعين على الوثيقة السياسية، وتكون المرجعية العليا.

هيئة قيادية عليا، لا تتجاوز عشرين عضواً، بتمثيل عادل للأقاليم، والقوى الحديثة، والمرأة بنسبة لا تقل عن 30%.

جهاز سياسي تنفيذي رشيق، عبر قطاعات أو دوائر، هو من يصوغ السياسات ويقترح تشكيل السلطة التنفيذية.

لكن ما حدث هو العكس: نشأت سلطة قبل اكتمال الهياكل.

وهنا لا يصبح السؤال إجرائياً، بل سياسياً وأخلاقياً: لمن تُستمد الشرعية؟ ومن يراقب من؟ ومن يحاسب من؟

حين تولد السلطة بلا مرجعية، تتحول الثورة إلى شركة بلا مجلس إدارة

إن أخطر ما في هذا المسار أنه يفتح الباب واسعاً أمام قوى الردة داخل التحالف نفسه. قوى لا تؤمن بالتغيير الجذري، لكنها تتعايش معه مرحلياً، بانتظار اللحظة المناسبة لإفراغه من مضمونه. هذه القوى لا تواجه الأفكار مباشرة، بل تضربها عبر تفكيك أدواتها التنظيمية، وتعطيل البناء المؤسسي، ودفع التحالف نحو الاستعجال، والتشظي، والصراعات الخفية.

الثورات لا تُهزم دائماً بالرصاص، أحياناً تُهزم بالتنظيم الرديء

ما يزيد خطورة المشهد أن تحالف تأسيس لا يمثل نخبة سياسية معزولة، بل يضم أطيافاً واسعة من الشعوب السودانية، لا سيما شعوب الهامش التي علّقت عليه آمالها التاريخية في العدالة والإنصاف. هذه الشعوب لا تنتظر خطابات، بل تنتظر مؤسسات تحمي حقوقها، وتمنع إعادة إنتاج المركز، ولو بوجوه جديدة.

حين تُقدَّم السلطة على التنظيم، يتحول التحالف من مشروع تغيير إلى ساحة صراع مكتوم بين مراكز نفوذ. وحين تغيب الهيئة التشريعية، يصبح القرار رهين التوافقات الضيقة. وحين تغيب القيادة المنتخبة بوضوح، يعلو صوت “الفاعلين” على حساب “المفوضين”.

«أخطر ما في السياسة أن يحكم من لا يملك تفويضاً، ويُقصى من يملك الرؤية»

السؤال الذي لا مفر منه: أين تتموضع قوى الدفع داخل تحالف تأسيس؟ وأين قوى الكبح؟ ومن المستفيد من تعطيل البناء المؤسسي؟ هل هو بقايا الدولة القديمة التي تسللت بأسماء جديدة؟ أم طموحات فردية استعجلت السلطة خوفاً من ضياع اللحظة؟

إن بناء حكومة دون استكمال الهياكل ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل انحراف استراتيجي قد يقود – إن لم يُتدارك – إلى تفريغ المشروع التأسيسي من محتواه، وتحويله إلى نسخة محسّنة من تجارب فاشلة عرفها السودان من قبل.

 «من لا يتعلم من فشل الانتقال، محكوم عليه بتكراره»

التحالف ما زال يملك فرصة تاريخية لتصحيح المسار. ليس عبر تبادل الاتهامات، بل عبر شجاعة المراجعة. المطلوب الآن ليس الدفاع الأعمى عن الخطأ، بل الاعتراف به، والعودة إلى المنطق التأسيسي: بناء الهياكل أولاً، ثم السلطة بوصفها أداة، لا غاية.

فالتغيير الحقيقي لا يُقاس بعدد الوزراء، بل بمتانة المؤسسات. ولا يُقاس بسرعة الإعلان، بل بقدرة المشروع على الصمود أمام الضغوط والاختراقات.

 «الدولة لا تُبنى بالعجلة، بل بالصبر المؤسسي».

إن تحالف تأسيس أمام مفترق طرق:

إما أن يستعيد روحه التأسيسية، ويُكمل بناء عقله المؤسسي، فيصبح بالفعل نواة السودان الجديد.

وإما أن ينزلق  دون أن يشعر  إلى إعادة إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة، فيخسر ما هو أخطر من السلطة: ثقة الناس.

والتاريخ لا يرحم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!