
نجم الدين دريسة
الدولة التي تعجز عن إدارة تنوّعها، تدفع ثمنه انقسامًا لا ينتهي.
ليست مأساة السودان الراهنة مجرد صراع عسكري بين قوتين متنازعتين، ولا هي حدث طارئ فرضته لحظة سياسية عابرة. إنها، في جوهرها العميق، أزمة وعيٍ بالدولة ومعناها، وأزمة إدارة لعلاقة معقّدة بين القبيلة والجهة والوطن. حين تختلط الهوية بالعنف، وتتحول الجغرافيا إلى خطوط تماس، يصبح السؤال أكبر من بندقية وأعمق من معركة.
السودان بلد متنوع بطبيعته؛ تعدد قبلي وإثني وثقافي وجغرافي ظل عبر التاريخ مصدر ثراء حضاري. غير أن هذا التنوع، بدل أن يُدار بوصفه رصيدًا استراتيجيًا، جرى التعامل معه باعتباره عبئًا ينبغي تطويعه أو تحجيمه. وهنا بدأت الأزمة تتشكل بهدوء، قبل أن تنفجر بصخب السلاح.
التجربة الصومالية تظل مثالًا صارخًا على ما يحدث حين تفشل الدولة في قراءة مجتمعها. هناك، لم يكن الانهيار عسكريًا فحسب، بل سبقه تفكك اجتماعي عميق، حيث حاولت السلطة فرض نموذج مركزي صارم فوق بنية اجتماعية تقوم على الولاءات المحلية. وعندما اصطدمت الدولة بمكوّنات المجتمع بدل أن تتصالح معها، انهارت المؤسسة، وبقيت القبيلة.
في السودان، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا. فالصراع لم يعد سياسيًا خالصًا، بل أصبح خليطًا من قبيلة وجهة وسلاح. تتداخل الولاءات الأولية مع الحسابات العسكرية، ويتراجع منطق الدولة الجامعة أمام منطق الانتماء الضيق. لم تعد القبيلة مجرد رابطة اجتماعية، بل تحوّلت في بعض السياقات إلى إطار تعبئة، كما التحمت بها الجهوية لتصبح أداة استقطاب وتجييش.
الجهوية، في ذاتها، ليست خطرًا. فهي تعبير عن خصوصية جغرافية وثقافية. لكن الخطر يكمن حين تتحول إلى هوية سياسية حادة، تُستدعى عند النزاع وتُغذّى بالخطاب التحريضي، ثم تُهمَل حين تتغير المصالح. في هذه اللحظة، يصبح الانتماء الجغرافي وقودًا للصراع بدل أن يكون جسرًا للتكامل.
المفارقة أن النخب السودانية—مدنية كانت أم عسكرية—لم تعمل بما يكفي على تفكيك هذا المنطق، بل كثيرًا ما استثمرت فيه. جرى توظيف القبيلة في الحشد، واستُخدمت الجهة في بناء التحالفات، ثم عاد الجميع ليشتكي من هشاشة الدولة. وكأن الأدوات التي صُنعت لخدمة اللحظة السياسية لم تتحول لاحقًا إلى عبء دائم على الكيان الوطني.
وهكذا دخل السودان دائرة خطرة: دولة تضعف مؤسساتها، قبائل تتسلح دفاعًا أو هجومًا، جهويات تتصادم على الموارد والتمثيل، ونخب تعيش—أحيانًا—على استدامة الانقسام أكثر مما تبحث عن إنهائه. في هذا المناخ، يصبح السلاح ليس مجرد وسيلة صراع، بل لغة سياسية بديلة.
غير أن التاريخ القريب يقدم دروسًا لا ينبغي تجاهلها. في ليبيا واليمن وأفغانستان، أثبتت التجارب أن الدولة التي تتجاهل تعقيدات مجتمعها أو تصطدم بها بالقوة، تخسر قدرتها على البقاء. لا قبيلة تُكسر بالقهر، ولا جهة تُلغى بالشعارات، ولا وطن يُبنى فوق أنقاض مكوناته الاجتماعية.
في السودان، لا يمكن الحديث عن دولة مدنية حقيقية دون مصالحة صادقة مع البنية القبلية، لا بمعنى تكريسها سياسيًا، بل بإدماجها في مشروع وطني أوسع. المطلوب ليس إلغاء القبيلة، بل تحييدها عن الصراع السياسي، وتحويلها إلى مكوّن اجتماعي طبيعي داخل دولة قانون ومؤسسات. كما أن العدالة بين الجهات ليست منّة، بل شرط استقرار. فالتهميش حين يتكرر يتحول إلى ذاكرة جماعية يصعب تجاوزها.
العقد الاجتماعي الجديد الذي يحتاجه السودان يجب أن يعترف بالتنوع بوصفه حقيقة لا يمكن إنكارها، ويحوّله إلى مصدر قوة. دولة المواطنة المتساوية لا تعني صهر الهويات، بل ضمان أن لا تكون أي هوية بوابة امتياز أو مدخل إقصاء. حين يشعر المواطن أن حقوقه مصونة بصفته فردًا، تتراجع حاجته إلى الاحتماء بالقبيلة أو الجهة.
السلاح قد يحسم معركة، لكنه لا يصنع وطنًا. والجهوية قد تحشد الجماهير في لحظة غضب، لكنها لا تبني مؤسسات. والقبيلة قد تحمي أبناءها عند الخطر، لكنها لا تستطيع حماية دولة بأكملها. الاستقرار الدائم لا يتحقق إلا حين تنتقل السياسة من منطق التعبئة إلى منطق البناء.
السودان لا ينهار لأنه متعدد القبائل والأعراق والجهات، بل لأنه يُدار أحيانًا بعقلية تخشى هذا التعدد بدل أن تستثمر فيه. الخوف من التنوع يولّد محاولات للسيطرة، والسيطرة تولد مقاومة، والمقاومة تفتح أبواب العنف.
المأزق الحقيقي ليس في البنية الاجتماعية، بل في غياب مشروع وطني جامع يتسع للجميع. حين يتقدّم هذا المشروع، تتراجع الهويات الضيقة إلى حجمها الطبيعي. وحين يغيب، تتقدم إلى الواجهة وتملأ الفراغ.
السؤال الذي يواجه السودانيين اليوم ليس من ينتصر عسكريًا، بل كيف تُبنى دولة تتعلم من أخطائها، وتدير تنوعها بحكمة، وتعيد تعريف العلاقة بين القبيلة والجهة والوطن على أساس العدالة والمواطنة.
فالوطن، في النهاية، ليس جغرافيا تُحرس بالسلاح، بل فكرة تُصان بالعدل.




