
نجم الدين دريسة
حين يُستعار المقدّس لتبرير القبيح، لا يسقط الفعل وحده، بل تسقط معه الأقنعة
ليس في تاريخ الشعوب ما هو أشد وطأة من أن يُستغل الدين، لا بوصفه منظومة قيم تهدي الضمير، بل كأداة سلطة تُجيّش بها العقول وتُخضع بها المجتمعات. وما شهدته السودان خلال العقود الماضية لا يمكن قراءته باعتباره تجربة سياسية فاشلة فحسب، بل بوصفه انحرافًا عميقًا في استخدام المقدّس، حين تحوّلت جماعة الإخوان المسلمين وسائر جماعات الهوس الديني إلى سلطة تمارس القهر باسم الفضيلة، وتُعيد إنتاج الاستبداد بغطاء عقدي زائف.
لقد قدّمت هذه الجماعات واحدة من أسوأ النماذج في تاريخ الحكم، لا من حيث النتائج الكارثية فحسب، بل من حيث طبيعة المنهج ذاته؛ منهج يقوم على مصادرة الوعي، وإعادة تشكيله وفق قوالب أيديولوجية مغلقة، تُقصي الآخر وتُجرّمه، وتُضفي على السلطة طابعًا قدريًا يُخرجها من دائرة النقد والمساءلة. وفي ظل هذا البناء، لم يعد الدين مرجعية أخلاقية، بل أداة سياسية تُستخدم ببرود، وتُحرّف معانيها بما يخدم بقاء التنظيم لا مصلحة الوطن.
لقد شوهت هذه الجماعات ديباجة الإسلام الوضاءة، لا عبر خطابها فحسب، بل عبر ممارساتها التي حملت في طياتها من القسوة ما يناقض جوهر الدين. فالإسلام الذي جاء ليقيم العدل، استُخدم لتبرير الظلم؛ والذي جاء ليحفظ الكرامة، استُغل لإذلال الإنسان؛ والذي دعا إلى الصدق، صار غطاءً لخطاب مزدوج، يتحدث بلسان ويضمر نقيضه. وهكذا، لم تعد المشكلة في التناقض بين الشعار والممارسة، بل في تحويل هذا التناقض إلى سياسة منهجية.
إن حصيلة ثلاثة عقود من الحكم تحت هذا النهج لا تحتاج إلى تأويل: دولة أُفرغت من مضمونها، مؤسسات تآكلت حتى صارت هياكل بلا روح، اقتصاد انهار تحت وطأة الفساد والمحسوبية، ومجتمع تمزّق إلى شظايا، تغذّيها خطابات الفرز والاستقطاب. لقد كانت النتيجة تفكيكًا منهجيًا لبنية الدولة، لا كعرض جانبي، بل كنتاج مباشر لرؤية لا تؤمن بالدولة الحديثة، بل تعتبرها مجرد أداة للتمكين.
ولم تقف آثار هذه التجربة عند حدود الداخل، بل امتدت إلى الخارج، حيث وجدت البلاد نفسها في عزلة دولية خانقة، لم تكن وليدة سوء فهم، بل نتيجة مسار طويل من السياسات التي وضعت السودان في مواجهة مع المجتمع الدولي. لقد كان إدراج البلاد ضمن قوائم الإرهاب آنذاك تعبيرًا عن واقع تشكّل بفعل ممارسات متراكمة، لا قرارًا معزولًا يمكن فصله عن سياقه.
واليوم، ومع استمرار حالة السيولة السياسية والأمنية، فإن الحديث عن تصنيفات جديدة لا يأتي في فراغ، بل في سياق دولي أكثر صرامة، حيث لم تعد الشعارات قادرة على حجب الوقائع، ولا الخطابات قادرة على إعادة تشكيل الصورة. غير أن ما يزيد المشهد خطورة، هو أن هذه الجماعات لا تزال تتحرك بعقلية الأمس، تراهن على أدوات استُهلكت، وتستند إلى خطاب فقد تأثيره، وكأن العالم لم يعِد تعريف معاييره.
إن أخطر ما يميّز هذه الجماعات ليس فقط سجلها المثقل بالانتهاكات، بل عجزها البنيوي عن مراجعة ذاتها. فهي لا ترى في التجربة فشلاً يستدعي التقييم، بل مؤامرة تستدعي التبرير. ولا ترى في الانهيار نتيجة لخياراتها، بل ظرفًا خارجيًا يمكن تجاوزه بإعادة التموضع. وهكذا، يستمر الدوران في ذات الحلقة، حيث يُعاد إنتاج الأزمة بأدواتها نفسها.
لقد مارست هذه الجماعات من الأفعال ما يجعل توصيفها السياسي التقليدي قاصرًا عن الإحاطة بحقيقتها؛ إذ تجاوزت حدود العمل السياسي إلى ممارسات أقرب إلى تقويض أسس الدولة والمجتمع. فقد ارتُكبت انتهاكات جسيمة، وتكرّست أنماط من القمع والإقصاء، وأُعيد تشكيل الفضاء العام على نحو يُقصي كل صوت مخالف، ويُحوّل الاختلاف إلى تهمة.
إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في حجم الضرر الذي أحدثته فحسب، بل في طبيعة الأثر الذي تركته في الوعي العام. فقد خلقت حالة من التشوّه، لم يعد فيها المواطن قادرًا على التمييز بين الدين كقيمة، والدين كأداة سلطة. وهذا الخلط هو أحد أخطر ما أنتجته هذه التجربة، لأنه يضرب في عمق العلاقة بين الإنسان ومعتقده.
ولعل ما أشار إليه المفكر الراحل محمود محمد طه قبل عقود، يكتسب اليوم دلالة خاصة؛ إذ رأى أن تجربة حكم جماعات الهوس الديني، رغم قسوتها، ستكون كاشفة لزيف شعاراتها، وأنها ستنتهي إلى ما يشبه التفكك الذاتي تحت وطأة تناقضاتها. وقد بدت هذه الرؤية، في ضوء ما حدث، أقرب إلى قراءة استباقية لطبيعة هذا المشروع، الذي يحمل في داخله بذور انهياره.
غير أن سقوط هذا المشروع، إن كان قد بدأ، لا يعني بالضرورة زوال آثاره. فالمخلفات التي تركها في بنية الدولة والمجتمع تتطلب جهدًا طويلًا لمعالجتها، يبدأ بإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية، ويمر بإصلاح النظام القانوني، وينتهي بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا، لا أداة بيد جماعة.
إن المواجهة الحقيقية مع هذا الإرث لا تكون بالشعارات، بل بإعادة تأسيس المجال العام على قواعد جديدة، تُعيد للدين مكانته كمرجعية أخلاقية، وتفصل بينه وبين التوظيف السياسي. كما تتطلب ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على التعددية والمساءلة، لا على الاصطفاف والانغلاق.
وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن إجراءات دولية أو تصنيفات محتملة يجب أن يُقرأ بوصفه جزءًا من مشهد أوسع، لا كغاية في حد ذاته. فالمعركة الأساسية ليست في توصيف هذه الجماعات، بل في بناء واقع يجعل من عودتها أمرًا غير ممكن، عبر تجفيف البيئة التي أنتجتها، وإغلاق المسارات التي سمحت لها بالتمدد.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن التنظيمات التي تقوم على أيديولوجيات مغلقة لا تنهار بضربة واحدة، بل عبر مسارات متدرجة تشمل تفكيك بنيتها، وإضعاف شبكاتها، وتجفيف مصادر نفوذها. غير أن هذا المسار لا يمكن أن ينجح دون وجود دولة قوية، ومجتمع واعٍ، ومؤسسات قادرة على حماية نفسها.
إن اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من تعقيد، تضع السودان أمام خيار حاسم: إما الاستمرار في دوامة إعادة إنتاج الأزمات، أو الشروع في مسار مختلف، يعترف بالأخطاء، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على قيم واضحة وممارسات منضبطة.
وفي هذا الاختيار، لا مجال للحياد؛ فالتجارب التي تُبنى على استغلال الدين لا تنتج إلا مزيدًا من الانقسام، ولا تقود إلا إلى مزيد من التآكل. وما لم يُحسم هذا الأمر بوضوح، فإن خطر العودة سيظل قائمًا، ولو بأشكال جديدة.
لقد آن الأوان لقراءة هذه التجربة كما هي، بلا تجميل ولا مواربة؛ تجربة كشفت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن استدعاء المقدّس في السياسة، حين يتم خارج إطار القيم، لا يفضي إلا إلى نقيضه. وأن الجماعات التي تجعل من الدين وسيلة للهيمنة، لا يمكن أن تنتج دولة عادلة، ولا مجتمعًا متماسكًا.
وهكذا، فإن ما يبدو اليوم نهاية مرحلة، قد يكون في حقيقته بداية لوعي جديد؛ وعي يُدرك أن حماية الدين تمرّ عبر إبعاده عن صراعات السلطة، وأن بناء الدولة لا يتم بالشعارات، بل بالمؤسسات، وأن الشعوب التي تختبر أقسى التجارب، تمتلك إن أحسنت قراءة الدرس القدرة على تجاوزها، لا بتكرارها، بل بالقطيعة معها.




