رأي

الحقوق السودانية تحت الرحمة السياسية: هل المستندات الثبوتية حق أم امتياز؟

عبد الناصر حمزة نيالا

 

عبد الناصر حمزة .. نيالا 

يعتبر الحق في الحصول على المستندات الثبوتية في السودان من أبرز الحقوق الأساسية لأي مواطن، فهي تشمل جواز السفر، الرقم الوطني، وغيرها من الوثائق التي تثبت هوية الفرد وتتيح له ممارسة حياته بحرية وكرامة. هذه الحقوق ليست منحة تُقدّم من أي جهة أو شخص، بل هي من الحقوق الدستورية الأصيلة التي يجب أن تُحترم دون أي تمييز أو مزايدة سياسية.

إلا أن الواقع في السودان بات مختلفًا في السنوات الأخيرة، إذ تأثرت حقوق المواطنين الأساسية بالتحولات السياسية والصراعات المسلحة، وأصبحت عملية استخراج المستندات الثبوتية مرهونة بموافقة السلطة العليا، ممثلة في القائد العام للجيش. هذا الوضع يُظهر حجم التدخل السياسي في حقوق الفرد الأساسية، ويضع المواطنين أمام معضلة مزمنة: هل الحق الذي يولد مع الإنسان يمكن أن يُحجب أو يُمنح وفق أهواء السلطة؟

أحد أبرز الأمثلة على هذا الانتهاك كان بعد اندلاع حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع. إذ تم استهداف بعض المكونات الاجتماعية وحرمانها من استخراج المستندات الرسمية، ليس بسبب أي مخالفة قانونية، بل لكونها تعيش في مناطق تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، مما يشير إلى استغلال الحقوق كأداة ابتزاز سياسي. هذا التصنيف الظالم يعكس تجاهلًا تامًا للقوانين المنظمة لعلاقة المواطن بالدولة، ويمس الحقوق المكتسبة تاريخيًا والتي لا علاقة لها بالانتماءات السياسية أو المواقف الفردية من الصراع.

الأمر لم يقتصر على منع استخراج المستندات، بل امتد أيضًا إلى حظر تجديد جوازات السفر لبعض الشخصيات السياسية، وهو سلوك يتعارض مع القوانين الدولية التي تكفل حرية التنقل وتحفظ كرامة الفرد في حياته اليومية. هذا الوضع يفضح حجم الاستغلال السياسي للحقوق الأساسية، ويظهر أن الدولة أصبحت أداة للمزايدات على حساب المواطنين، بدلاً من حمايتهم وصون حقوقهم.

في هذا السياق، حاول القائد العام للجيش احتواء الأزمة بتصريح قال فيه إنه لا يجوز حرمان أي مواطن سوداني من الحصول على المستندات الثبوتية أو تجديدها، بما في ذلك جوازات السفر، حتى للمطلوبين. ورغم أن هذا التصريح خطوة إيجابية، إلا أنه يطرح تساؤلاً جوهريًا: هل المستندات الثبوتية حق أصيل لكل سوداني منذ ميلاده، أم صك تمنحه السلطة لمن يوافق على سياساتها؟

إن تحييد الحقوق الأساسية عن المزايدات السياسية ليس رفاهية، بل ضرورة لضمان دولة عادلة تسود فيها الحرية والمساواة. فالحق في المستندات الثبوتية مرتبط مباشرة بحرية التنقل، والكرامة، والحقوق المدنية الأخرى، ولا يمكن لأي سلطة أن تتحكم فيه وفق مصالحها أو مزاجها السياسي.

ختامًا، ما يحدث اليوم في السودان يمثل تحذيرًا صارخًا من الانزلاق نحو سلطة تتحكم في الحقوق الأساسية للمواطنين، وتحولها إلى أدوات ضغط سياسي. على الدولة أن تضمن أن تكون حقوق السودانيين محفوظة دائماً، وأن لا تُعامل كامتياز يُمنح أو يُحجب بحسب مواقفهم السياسية، فكرامة الإنسان وحقوقه لا يمكن مساومتها، والمستندات الثبوتية ليست صك سلطة، بل حق لكل مواطن سوداني على الأرض التي وُلد فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!