رأي

السودان بين مصيدة الجوار ومؤامرات القاهرة: قراءة في التدخلات المشؤومة

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

في الجغرافيا قد تُفرض الجوار قسرًا، أما في السياسة فلا شيء يفرض حسن النوايا. والسودان، منذ عقود طويلة، يدفع ثمن جوارٍ لم يكن يومًا محايدًا، جوارٌ تجاوز شرّه حدود سوء الظن العريض، وجاءت مصر كجارة شرّ مستطير، تتدخل بشكل سافر وتتآمر على السودان بطريقة مدهشة، تمارس أدوارًا ممنهجة لتعطيل إرادة الشعوب، وتخريب مسارات التحول، وإدامة أنظمة الوصاية والهيمنة. إن الحديث عن الدور المصري في الأزمة السودانية ليس انفعالًا عاطفيًا ولا خصومة عابرة، بل قراءة سياسية لتاريخ ممتد من التدخلات، يُعاد إنتاجه كلما حاول السودانيون أن يلتقطوا أنفاسهم ويشقّوا طريقهم نحو حكم مدني ودولة حديثة.

منذ الاستقلال، ظل القرار السوداني مثقلًا بتأثيرات خارجية، لكن مصر كانت، على الدوام، اللاعب الأكثر ثباتًا في معادلة الإعاقة. لم تنظر القاهرة إلى السودان بوصفه دولة ذات سيادة كاملة، بل باعتباره مجالًا حيويًا تابعًا، يجب أن يُدار عبر وكلاء، وأن يُضبط عبر مؤسسة واحدة: الجيش. ومن هنا يمكن فهم لماذا كانت كل ثورة سودانية تُقابل بالريبة، وكل انتقال مدني يُنظر إليه كتهديد مباشر للمصالح المصرية، لا كشأن داخلي يخص شعبًا حرًا.

ثورة ديسمبر 2018 لم تكن استثناءً. تلك الثورة السلمية التي أدهشت العالم، ورفعت شعار الحرية والسلام والعدالة، كانت منذ أيامها الأولى محل قلق عميق في القاهرة. فنجاح نموذج مدني ديمقراطي في السودان يعني سقوط ورقة استراتيجية ظلت مصر تستخدمها لعقود: حكم العسكر باسم الاستقرار. لذلك لم يكن مستغربًا أن يتحرك وكلاء هذا النهج سريعًا لإجهاض الثورة من داخلها، وأن تتكثف الزيارات والاتصالات، وأن يُعاد إنتاج خطاب “الأمن” و“الفوضى” لتبرير القمع والانقلاب.

فضّ اعتصام القيادة العامة لم يكن جريمة معزولة عن سياقها الإقليمي. لقد جاء بعد زيارات واتصالات، وفي مناخ إقليمي يرى في الساحات الثورية خطرًا يجب سحقه قبل أن يتحول إلى عدوى. كانت الرسالة واضحة: لا مكان لتجربة سودانية مستقلة خارج القالب المرسوم. ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليؤكد أن المسار نفسه يتكرر، وأن كل خطوة نحو المدنيين تُقابل بخطوة مضادة، غالبًا ما تبدأ من القاهرة ولا تنتهي عند حدودها.

الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 لم تكن انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من عسكرة السياسة وإغلاق الأفق المدني. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور المصري، سواء بالدعم المباشر أو بالتواطؤ السياسي والإعلامي. فمصر لم تُخفِ يومًا انحيازها للمؤسسة العسكرية، ولم تتردد في تصوير أي قوة أو تيار يدعو إلى تفكيك دولة العسكر باعتباره خطرًا وجوديًا، لا على السودان وحده، بل على “الأمن الإقليمي” كما تراه.

لم يقتصر الدور المصري على السلاح، بل امتد إلى المجال الأخطر: الوعي. فقد تحولت القاهرة إلى مركز لإدارة غرف إعلامية وشبكات دعائية تعمل على تفكيك المجتمع السوداني من الداخل. خُلق خطاب كراهية ممنهج، استُخدمت فيه اللغة كسلاح، لا لوصف الواقع، بل لصناعته. جرى شحن الناس ضد بعضهم البعض، على أساس العرق والجهة والانتماء، في محاولة لإعادة إنتاج السودان كفسيفساء متصارعة، يسهل التحكم فيها، بدل أن يكون دولة مواطنة جامعة.

هذا الأسلوب ليس جديدًا. فقد استخدمته مصر في محيطها الإقليمي كلما شعرت بأن نفوذها مهدد. وبعد فشل محاولات زعزعة استقرار إثيوبيا، واحتواء مشروعها الوطني، بدا أن السودان أصبح الساحة البديلة. بلد منهك، مثقل بالأزمات، يسهل دفعه نحو الحافة إذا تضافرت العوامل الداخلية مع التدخلات الخارجية. وهكذا، بدل أن تكون القاهرة جزءًا من الحل، تحولت إلى عامل تأزيم، يخشى السلام أكثر مما يخشى الحرب، وجاءت كل خطوة لها كدليل على شرّها المستطير وتدخلاتها السافرة في شؤون السودان الداخلية.

المفارقة الصارخة أن الخطاب الرسمي المصري لا يكف عن التباكي على وحدة السودان وسيادته. لكن أي وحدة هذه التي تُبنى على دعم الانقلابات؟ وأي سيادة تُحترم حين يُدار القرار الوطني من خارج الحدود؟ إن من يعمل على تخريب التحول المدني، ويُغذّي الحرب، ويُعادي القوى الديمقراطية، لا يملك أخلاقيًا حق الحديث عن الاستقرار. فالاستقرار الحقيقي لا يولد من فوهات البنادق، بل من عقد اجتماعي عادل، وهو ما ظلّت مصر تعارضه في السودان بلا مواربة.

إن جوهر المشكلة يكمن في ذهنية قديمة لم تُحدَّث لعشرات السنين، ذهنية ترى في السودان تابعًا لا شريكًا، وفي شعبه كتلة قابلة للإدارة لا أمة ذات إرادة. هذه الذهنية هي التي جعلت القاهرة تقف دائمًا ضد أي محاولة سودانية لتقرير المصير عبر الحكم المدني، وضد أي مشروع يعيد توزيع السلطة والثروة خارج المركز العسكري الضيق. وهي نفسها التي جعلتها تتحالف مع قوى الردة والفلول، وتوفر لهم الملاذ السياسي والإعلامي، أملاً في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

إن الدعم المصري لم يكن فقط سياسيًا، بل شمل خطوطًا عسكرية مباشرة وغير مباشرة، حيث تم توجيه سلاح الطيران والتقنيات الاستخباراتية بما يخدم مصالح العسكر على حساب المدنيين. كما أن القاهرة لم تتردد في احتضان عناصر من نظام المؤتمر الوطني السابق، وتقديم غطاء إعلاميًا لهم لإعادة إنتاج خطاب الردة، في محاولة واضحة لإعادة رسم المشهد السوداني بما يتوافق مع مصالحها الضيقة.

لكن التاريخ لا يسير إلى الخلف. فالسودان، رغم الجراح، لم يفقد بوصلته. الشعوب التي خرجت بالملايين من أجل الحرية لن تنسى من وقف ضدها، ومن ساند جلاديها، ومن تاجر بدمائها تحت لافتات زائفة. قد تتأخر العدالة، وقد تطول المعركة، لكن الوعي الذي تشكّل لن يُمحى. ومع كل محاولة لإعادة إنتاج الوصاية، يزداد إصرار السودانيين على كسرها.

إن أخطر ما في الدور المصري ليس فقط ما فعله، بل ما ما زال يصرّ على فعله. فالإصرار على دعم العسكر، ومعاداة المدنيين، وتغذية الانقسام، يعني أن القاهرة لم تتعلم من دروس الماضي، ولم تدرك أن استقرار الإقليم لا يُبنى على إطفاء تطلعات الشعوب، بل على احترامها. وإذا استمرت في هذا النهج، فإنها لا تسيء إلى السودان وحده، بل تضع نفسها في مواجهة التاريخ.

السودان لا يطلب عداءً مع جيرانه، ولا يبحث عن صراعات مفتوحة، لكنه يرفض الوصاية مهما كان مصدرها. يريد علاقة ندّية، قائمة على الاحترام المتبادل، لا على إدارة الأزمات من خلف الستار. أما الجوار الذي يفوق سوء الظن العريض، وتحديدًا مصر، ويواصل ممارسة أدوارًا شريرة باسم المصالح، فلن ينتج إلا مزيدًا من الفوضى، ومزيدًا من الكراهية، ومزيدًا من العزلة.

وفي النهاية، سيكتب التاريخ ما جرى لا كما قيل عنه. سيكتب من دعم الثورة ومن خانها، من سعى للسلام ومن خاف منه، من احترم إرادة الشعوب ومن حاول كسرها. والتاريخ، كما علمتنا التجارب، لا يُخدع بالشعارات، ولا يرحم من ظن أن الظل سيخفي الفعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!