رأي

ديسمبر حين تكلم الناس… وسقطت الروايات الزائفة

ايمان التجاني

 

 إيمان التجاني

لم تبدأ ثورة ديسمبر من منصة خطاب، ولم تُكتب في بيانات الأحزاب، بل وُلدت من صدور الناس العاديين؛ من الغضب الصامت، ومن الإحساس العميق بأن الوطن يُدار ضد أهله، وأن الدولة تحولت إلى أداة قمع لا إلى مساحة أمان. لذلك جاءت ديسمبر مختلفة، صادقة، ومربكة لكل من اعتادوا الحكم بلا مساءلة.

في ديسمبر، لم يكن الشارع تابعًا للنخبة، بل كانت النخبة تلهث خلف الشارع. الناس سبقوا الجميع، وهتفوا بما لم تجرؤ السياسة على قوله طويلًا: لا للاستبداد، لا لتوظيف الدين، لا لحكم العسكر، نعم لوطن يسع الجميع. كانت تلك اللحظة كاشفة؛ لحظة انقلب فيها ميزان القوة الأخلاقي، وسقطت سرديات “الضرورة” و”الإنقاذ” و”حماية الدولة”.

لكن ما أعقب الثورة كشف حجم المقاومة التي تواجه أي محاولة للتغيير الحقيقي. فالقوى التي خسرت امتيازاتها لم تستسلم، بل أعادت تنظيم صفوفها، واستخدمت كل ما تملك من أدوات: الانقلاب، التخريب، ثم الحرب. لم يكن ذلك دفاعًا عن الدولة، بل خوفًا من دولة جديدة لا مكان فيها للوصاية ولا للقداسة السياسية.

الحرب التي اندلعت لاحقًا لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لتراكم طويل من الإفلات من العقاب، ولتغليب التسويات على المحاسبة، وللاعتقاد الخاطئ بأن تجاهل الجذور سيُنتج استقرارًا. فكان الثمن فادحًا، دفعه المدنيون، ودفعته المدن، ودفعه وطن بأكمله.

ومع ذلك، لم تُهزم ديسمبر. ربما تراجعت في الشارع، لكنها ترسخت في الوعي. صارت معيارًا يقيس به الناس صدق أي خطاب، وبوصلة تفضح كل محاولة لإعادة إنتاج الاستبداد بلغة جديدة. تعلم السودانيون أن الحرية لا تُمنح، وأن الدولة لا تُصلح دون عدالة، وأن السلام لا يعيش طويلًا إذا بُني على النسيان.

الدولة المدنية التي حلم بها الناس لم تعد فكرة نظرية، بل ضرورة وجودية. دولة تحمي التنوع، وتفصل بين السلطة والعقيدة، وتعيد تعريف الوطنية بوصفها خدمة عامة لا غنيمة

ديسمبر لم تعد ذكرى تُستعاد، بل سؤالًا مفتوحًا: كيف نبني وطنًا لا يخاف فيه الناس من دولتهم؟

والإجابة، مهما تأخرت، لن تأتي إلا من حيث بدأت الحكاية: من الناس أنفسهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!