
مؤيد الأمين
لم يكن تعدد المليشيات والجيوش في السودان أمرًا عشوائيًا أو نتيجة فراغ أمني فقط، بل هو – في جوهره – نهج سياسي وأمني انتهجته الحركة الإسلامؤية (الإخوان المتأسلمون) على مدى سنوات، بهدف السيطرة غير المباشرة على الدولة، وإدارة الصراع بطريقة تضمن بقاء الحرب وعدم الوصول إلى سلام حقيقي
لماذا كل هذه المليشيات؟
السؤال المنطقي الذي يطرحه الشارع السوداني: لماذا تحتاج دولة بجيش وطني إلى هذا العدد الكبير من المليشيات؟
الإجابة ببساطة: لأن الجيش الواحد، مهما بلغ نفوذه، يمكن محاسبته، ويمكن الضغط عليه سياسيًا ودوليًا، أما تعدد القوى المسلحة فيعني تشتيت المسؤولية، وتفكيك مركز القرار، وإرباك أي مسار سلام.
الإخوان لم يثقوا يومًا في جيش وطني مهني مستقل، لذلك عملوا على تفريغ المؤسسة العسكرية من وحدتها، عبر دعم مليشيات موازية، بعضها أُنشئ من العدم، وبعضها خرج من رحم الجيش نفسه، بقيادات جديدة وولاءات مختلفة.
لماذا يوافق قادة الجيش؟
هذا سؤال بالغ الحساسية. القبول بتعدد الجيوش لا يحدث دائمًا بدافع القناعة، بل أحيانًا نتيجة:
اختراق أيديولوجي داخل المؤسسة العسكرية.
مصالح شخصية واقتصادية.
استخدام المليشيات كأدوات ضغط داخل الصراع السياسي.
أو الخوف من تفكك أكبر في حال المواجهة المباشرة معها.
وهكذا، تتحول القيادة العسكرية من حارس للدولة إلى مدير توازنات مسلحة، وهو أخطر دور يمكن أن تؤديه.
المليشيات كخطة احتياطية
ظنّ البعض أن تعدد المليشيات حالة مؤقتة أو خطأ في التقدير، لكن الوقائع تثبت العكس.
فكلما اقتربت لحظة سلام، ظهرت قوة جديدة، أو انشقت مجموعة، أو أعلنت قيادة عسكرية موقفًا “مستقلًا”. الهدف واضح: ضمان وجود أطراف رافضة لأي اتفاق.
فإذا فُرض السلام بالقوة أو بالضغط الدولي:
يوقّع الجيش، لكن ترفض مليشيات أخرى.
تتوزع الإدانات الدولية.
يقل الضغط على مؤسسة واحدة.
ويُعاد إشعال الحرب تحت مسميات جديدة.
سلام بالسلاح؟ تناقض فاضح
في الأيام الماضية، شهدنا بيانات لقوات من شرق السودان تعلن دعمها للسلام، وتصف نفسها بدعاة الاستقرار.
لكن السؤال البسيط: كيف تدّعي السلام وأنت تحمل السلاح خارج إطار الدولة؟
ما يحدث ليس دعوة للسلام، بل:
استعراض قوة.
تلميع مليشيا.
تثبيت وجود على طاولة المستقبل. فالسلام الحقيقي لا يأتي من فوهة بندقية، ولا من جيش موازٍ، بل من تفكيك السلاح، لا استعراضه.
تقسيم الأدوار… لا توحيد الوطن
الخطة الأوضح هي تقسيم الجيوش إلى مهمات:
قوة تعترض.
أخرى تفاوض.
ثالثة ترفض.
رابعة “محايدة”. وهكذا، يبقى المشهد مشوشًا، وتبقى الحرب مشتعلة بأشكال مختلفة.
هذا النهج لا يخدم السودان، بل يخدم مشروعًا واحدًا: منع قيام دولة مدنية موحدة، وجيش وطني مهني واحد.
الخلاصة
تعدد المليشيات ليس قدرًا، بل سياسة.
وسياسة الإخوان المتأسلمين قائمة على:
إضعاف الدولة.
تفتيت السلاح.
إدارة الفوضى بدل إنهائها.
وإطالة أمد الحرب حتى تظل البلاد رهينة للخوف والانقسام.
لن يكون هناك سلام حقيقي ما دامت البنادق متعددة، والولاءات منقسمة، والدولة غائبة.
فالطريق إلى السلام يبدأ من سؤال واحد:
من يحتكر السلاح؟ الدولة… أم الفوضى؟




