
سمية النور دهب
ليس ما يجري اليوم في السودان مجرد صراع على السلطة، بل هو محاولة مكتملة الأركان لإعادة إنتاج نظام إرهابي دموي، عرفه السودانيون جيداً، وذاقوا على يديه صنوف التعذيب والقتل والاغتصاب والإفقار الممنهج. إنه ذات التنظيم الذي بدأ عهده باغتيال طبيب تحت التعذيب، وختمه باغتيال معلّم، وبين الجريمتين ملايين الضحايا، وبلاد أُنهكت، ومجتمع تمزق، ودولة جرى تفكيكها قطعةً قطعة.
النظام الكيزاني لم يكن مجرد سلطة سياسية فاشلة، بل كان مشروعاً تخريبياً واعياً، حوّل الدولة إلى أداة قمع، والمجتمع إلى ساحة رعب. ابتدع بيوت الأشباح، وشرعن التعذيب، وأدخل الاغتصاب كوسيلة إذلال سياسي، في سابقة لم يعرفها التاريخ الحديث حتى في أكثر الأنظمة الاستبدادية توحشاً. لم يكن ذلك انحرافاً عارضاً، بل سياسة دولة، ومنهج حكم.
سعى هذا التنظيم منذ يومه الأول إلى إغلاق أي أفق لثورة شعبية حقيقية، فصادر الحريات، وكمّم الأفواه، ودمّر الخدمة المدنية بطرد مئات الآلاف من الكفاءات، ليحوّل مؤسسات الدولة إلى ملكية خاصة للتنظيم وأتباعه، فانهارت الإدارة، وتفشى الفساد، وأصبح الفشل هو القاعدة لا الاستثناء.
وحين أغرق البلاد في الحروب والفتن، ظن أن اليأس قد استقر في قلوب السودانيين إلى الأبد. لكن التاريخ كان له رأي آخر. فمن رحم هذا الظلام، وُلد فجر ديسمبر، ثورة جيل جديد كسر حاجز الخوف، واستعاد الشارع، ورفع راية الحرية والعدالة والسلام، متحدياً آلة القمع والقتل.
غير أن التنظيم لم يستسلم. حاول الالتفاف على الثورة، ثم الانقضاض عليها عبر واجهاته العسكرية. كان فضّ الاعتصام إعلاناً مبكراً لحربهم على حلم السودانيين، وحين فشل الانقلاب في إخماد جذوة الثورة، لم يجدوا سوى خيارهم القديم: إشعال الحرب، ولو احترق الوطن بأكمله.
اليوم، تقع على عاتقنا مسؤولية تاريخية: أن نحفظ الذاكرة حيّة، وأن نمنع إعادة هذا الكابوس إلى السلطة. فدون محاسبة عادلة، ودون تفكيك حقيقي لبنية هذا التنظيم الإرهابي، سيظل السودان رهينة لدائرة الدم والانقلابات. المعركة لم تنتهِ، لكنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، ومعركة شعب قرر أخيراً ألا يعود إلى ليل الكيزان أبداً.



