
سهيبة مريش
المشهد السياسي السوداني يعكس تاريخًا معقدًا من الصراعات والهويات المتقاطعة، والتحديات الاقتصادية العميقة، وتنافس مستمر بين رؤى مختلفة لمستقبل الدولة. منذ الاستقلال، سادت اللعبة السياسية الغزرة، القائمة على تحالفات هشّة وتنافس محموم على السلطة، مع استبعاد الفاعلين الحقيقيين بدل إدماجهم، ما جعل أي مسعى للتحول الديمقراطي مهمة صعبة تتطلب تجاوز إرث طويل من الاستقطاب المركزي والإقصاء المؤسسي.
تعقيدات هذا المشهد تنبع من التنوع الهائل للسودان وغياب عقد اجتماعي متفق عليه. القضايا العرقية والجهوية والدينية كانت دائمًا محرك الصراع، والفشل المتكرر في بناء دولة قومية جامعة جعل الولاءات الفرعية تتفوق على الانتماء الوطني. كما لعبت المؤسسات الأمنية والعسكرية دورًا محوريًا في صناعة القرار، مما أضعف من قدرة المؤسسات المدنية على فرض نفسها كمرجعية عليا. في هذا السياق، ظهرت طبقة سياسية غالبًا ما انصرفت إلى الاستحواذ على الموارد والبقاء في السلطة بدل التفكير الاستراتيجي طويل المدى.
التحدي الأكبر اليوم هو تحويل التطلعات الثورية والاتفاقيات المرحلية، مثل إعلان الحرية والتغيير، إلى واقع مؤسسي مستدام. هنا يبرز دور تحالف التأسيس في ربط الاتفاقيات المكتوبة بالتطبيق العملي على الأرض. مهمة التحالف مزدوجة: تفكيك الدولة العميقة التي ورثتها المرحلة الانتقالية، وإدارة التنافس الحاد بين مكونات الثورة حول شكل وهيكل الدولة المستقبلية، بما يتطلب إرادة سياسية للتنازل عن المكاسب الفئوية لصالح المصلحة الوطنية العليا.
أحد العقبات الأساسية أمام التحول الديمقراطي هو العدالة الانتقالية والمحاسبة. دون معالجة عادلة لجروح الماضي، يظل أي اتفاق سياسي عرضة للانهيار. مطالب العدالة، خاصة في مناطق النزاعات مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ليست مجرد مطالب أخلاقية، بل ركائز أساسية لمشاركة هذه المناطق في العملية السياسية الشاملة.
على صعيد بناء الدولة، تواجه السودان تحديات هيكلية كبيرة: إصلاح القطاع الأمني وربطه بالسلطة المدنية، تفكيك شبكات المصالح الاقتصادية القديمة، وتوزيع الثروة بعدالة. تحقيق الوفاق الوطني الشامل لكل شعوب السودان يتطلب تجاوز نموذج المركز والهامش، وإعادة تعريف المواطنة لتشمل الجميع دون تمييز، مع حوار مجتمعي واسع يستوعب روايات التاريخ المختلفة ويؤسس لهوية وطنية مرنة وقابلة للاستيعاب.
نجاح التحول يعتمد على بناء مؤسسات ديمقراطية فعالة، تضمن نزاهة الانتخابات، استقلالية القضاء، وفصل السلطات، مع حماية الإعلام الحر. أي ضعف في هذه المؤسسات يجعل الاتفاقات السياسية عرضة للطعن بمجرد تغيّر موازين القوى.
في النهاية، السودان يقف على مفترق طرق: النجاح في التحول الديمقراطي وتحقيق وفاق وطني مستدام يتطلب تجاوز الاستقطاب العسكري والمدني، معالجة العدالة الانتقالية، الإصلاح الهيكلي العميق، وبناء عقد اجتماعي جديد يضمن شعور كل مواطن بالانتماء والتمثيل الحقيقي. هذا هو السبيل الوحيد نحو مستقبل مستقر وسلمي لكل السودانيين.




