رأي

تأملات في حديث رئيس الوزراء كامل العوقة: تنجيد ولا فرش جديد (!)

عباس احمد السخي

 

عباس أحمد السخي

من المقولات السائرة في العامية السودانية: «شن جدة على المخدة؟ تنجيد ولا فرش جديد»، وهي مقولة تختصر حالة بعينها؛ مفادها أن ما يُقدَّم لا يحمل جديدًا، ولا يضيف قيمة، ولا يُرتجى منه نفع. هذه المقولة، بكل دلالاتها الساخرة والعميقة، تكاد تكون الوصف الأدق لحديث رئيس الوزراء كامل ادريس المعروف على نطاق واسع بالعوقة، الذي لم يخرج – في جوهره – عن كونه إعادة إنتاج لخطاب مستهلك، سبق أن قال به البرهان، وقوبل حينها بالسخرية والتندر، قبل أن تتجاوزه الوقائع ويُنسف عمليًا على الأرض.

حديث كامل (العوقة) لم يكن «فرشًا جديدًا» يُؤسس لمسار مختلف، بل مجرد «تنجيد» لخطاب قديم، فقد صلاحيته السياسية والمنطقية. فالرباعية ( امريكا، الامارات، السعودية، مصر)، التي تعاملت مع الواقع كما هو لا كما يُتمنى، ردّت على خطاب البرهان سابقًا بخطة مغايرة، أكثر التصاقًا بحقائق الميدان وتعقيدات الصراع. غير أن العوقة، وفي مشهد أقرب للإنكار السياسي، أعاد ذات العبارات المنسوخة، وكأن شيئًا لم يتغير، وكأن الحرب لم تعِد رسم الجغرافيا والديمغرافيا وموازين القوة في السودان.

 

في خطابه أمام مجلس الأمن، ضمن ما سُمِّي بـ«خطة السلام» – وهي في حقيقتها خطة غارقة في العدمية – كرر كامل العوقة ذات الأسطوانة المشروخة: وقف إطلاق النار، ثم تجميع قوات الدعم السريع في معسكرات متفق عليها، لتقوم حكومة بورتسودان بتصنيفها لاحقًا بين دمج وتسريح. يا للعجب! كيف يُقال مثل هذا الحديث، وبهذا القدر من الانفصال عن الواقع، في مواجهة قوة تسيطر عمليًا على نحو 50% من الأراضي السودانية، وتبسط نفوذها على ما يقارب 65% من السكان؟ أي منطق سياسي أو عسكري يسمح بمخاطبة واقع بهذه الضخامة وكأنه تفصيل إداري يمكن حسمه بقرار فوقي؟

إن هذا الخطاب، في جوهره، فاقد للمعنى، وفاقد للمنطق، وغارق في العدمية السياسية. فهو لا يخاطب موازين القوة، ولا يعترف بحقائق السيطرة، ولا يقدم تصورًا واقعيًا لكيفية الانتقال من الحرب إلى السلام. بل يبدو أقرب إلى ترديد شعارات جوفاء، هدفها الاستهلاك الدبلوماسي، لا صناعة حل حقيقي.

 

وأمام هذا الفراغ المنهجي، يصبح من المشروع – بل من الواجب – إطلاق العنان للتساؤل والتفكير: بماذا وعدت مصر جماعة بورتسودان حتى تتحدث بهذا القدر من الثقة المصطنعة؟ هل هناك ضمانات خارجية، أو تعهدات إقليمية، أو وعود خفية – خصوصًا – تجعل هذا الخطاب المنفصل عن الواقع يبدو منطقيًا في عيون أصحابه؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه حالة من «جنون البقر» السياسي، حيث يُعاد إنتاج الخطأ ذاته، بذات الأدوات، مع توقع نتائج مختلفة؟

في المحصلة، فإن حديث كامل (العوقة) لا يمثل طرحًا جديدًا، ولا يفتح أفقًا للسلام، بل يعكس أزمة عميقة في قراءة الواقع وفهم طبيعة الصراع. إنه حديث «تنجيد» بامتياز، في وقت يحتاج فيه السودان إلى «فرش جديد» كامل، يبدأ بالاعتراف بالحقائق، لا الهروب منها، وينتهي بمقاربة واقعية للسلام، لا بخطاب إنشائي يُدار في قاعات مجلس الأمن بينما تحسم الوقائع على الأرض مسار التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!