
عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا
منذ عقود، ظل السودان يعاني صراعًا داخليًا مستمرًا بين الدولة وجمهورها، بين السلطة والمواطن، بين الجيش والشعب. فما يُعرف بالجيش الوطني لم يخض يومًا حربًا حقيقية ضد عدو خارجي، لكنه خاض حربًا طويلة ودامية ضد مواطنيه، مستخدمًا القوة المفرطة كسلاح للسيطرة والإخضاع. هذه الحقائق لا يمكن تجاوزها إذا أردنا فهم مأساة الدولة السودانية وإعادة التفكير في مستقبلها.
الجيش، المؤسسة التي يفترض أن تحمي الوطن، أصبح منذ إنشائه آلة للعنف الداخلي. إنه يفرخ ضباطًا يتقنون فنون القتل والاغتيال، أكثر مما يتقنون مهارات الدفاع والحماية. تخرجت أجيال من الضباط على قاعدة واحدة: الدفاع عن السلطة أولوية، المواطن مجرد رقم أو تهديد محتمل، والإنقلاب العسكري حق مشروع لتغيير النظام متى سنحت الفرصة. هذه الثقافة المركزية والميليشياوية شكلت قاعدة لسلسلة طويلة من الانقلابات والحروب الداخلية التي لم تتوقف طوال نصف قرن وأكثر.
ومع مرور الزمن، صار الجيش رمزًا للفشل الوطني، ليس فقط لأنه اختار مواجهة شعبه بدلاً من حماية حدوده، بل لأنه أفشل أي مشروع تنموي أو إداري في السودان. التنمية، العدالة، الاستقرار الاجتماعي، كل ذلك بقي خارج حساباته، بينما عاشت المدن والقرى أهوال المجازر، والتهجير، والجوع، والعنف المنظم. أصبح المواطنون يشهدون على مأساة مستمرة لا تتوقف إلا لفترات قصيرة مؤقتة، كما لو كانت استراحة قصيرة بين جولات الحرب الطويلة.
الغريب اليوم، أن المشهد السياسي يحاول تقسيم الناس إلى فريقين: مع الجيش أو مع ميليشياته التي أسسها لتكون ذراعه القتالية، وفي كل الأحوال، من يرفض الانخراط في الحرب يُوصم بالخيانة أو الولاء للأعداء. هذا الانقسام يُغطي على الحقيقة البسيطة: أن السبب الأساسي لكل الحروب هو المؤسسة العسكرية نفسها، وأن كل فصيل من الفصائل ليس إلا امتدادًا للآلة نفسها التي كرست العنف ضد الشعب منذ عقود.
لم يقتصر العنف على منطقة بعينها، بل شمل كل أركان السودان، مع تكرار الأنماط نفسها: قمع، تهجير، اغتصاب، وعمليات انتقامية ممنهجَة ضد المدنيين. كل ذلك لتأكيد السيطرة على السلطة والموارد، وليس لحماية الوطن أو الدفاع عن الحق. وبذلك، أصبح الجيش، الذي يفترض أن يكون درعًا للوطن، سببًا في تفكيك الوطن ذاته.
إن أي مشروع لإعادة بناء السودان لا يمكن أن ينجح بدون إعادة النظر في المؤسسة العسكرية، وإصلاح بنيتها، وتغيير ثقافتها، وإعادة توجيه ولائها نحو الشعب لا نحو السلطة. فالجيش، كما هو اليوم، ليس حاميًا للوطن، بل أداة لتدميره، وهو المسؤول الأول عن كل الكوارث التي عاشتها البلاد منذ الاستقلال وحتى اليوم.
إن المواجهة الحقيقية مع التاريخ السوداني لا تبدأ بالقتال أو الانقلابات، بل بالاعتراف بالحقائق: أن الجيش هو جزء من المشكلة وليس الحل، وأن أي مستقبل مزدهر يتطلب قوة وطنية حقيقية تخدم الشعب بدلًا من أن تفتك به. إذ لا يمكن لأي دولة أن تنهض بينما أجهزتها العسكرية تعمل ضد مواطنيها، وما لم يحدث تغيير جذري، ستظل هذه الحرب الداخلية دائرة لا نهاية لها، تدور فيها البلاد من جيل إلى جيل.




