رأي

السودان بين الدعم المصري والمصالح الاستراتيجية: قراءة في التوازنات الأمنية والسياسية

لواء ركن د.مهدي الأمين كبه آدم

 

 لواء ركن د.مهدي الأمين كبه آدم

تتسم السياسة المصرية تجاه السودان بتوازن دقيق بين الدعم العسكري والأمني، والحفاظ على مصالح القاهرة الإقليمية، دون الانخراط المباشر في صراع داخلي قد يكلفها غالياً على الصعيدين السياسي والاقتصادي. فقد أكدت الخطابات الأخيرة لكل من مندوب مصر في الأمم المتحدة والرئيس عبد الفتاح السيسي على مجموعة من الثوابت المشتركة، التي تشكل العمود الفقري للتعامل المصري مع الأزمة السودانية، منها: رفض تفكك الدولة السودانية، رفض أي جيش غير الجيش الوطني الموحد، وربط النزاع السوداني بالمنظور الأمني القومي المصري.

التحليل يظهر بوضوح أن المندوب المصري تجنب أي التزام صريح بتدخل عسكري مباشر، مع استخدام مفردات دبلوماسية محسوبة بعناية مثل: الدعم والمساندة لمؤسسات الدولة، والحل السياسي الذي لا يقصي الجيش الوطني. القاهرة بذلك تبقي كل الخيارات مفتوحة نظريًا، وتدعي أمام العالم أنها لم تتدخل عمليًا، لكنها عمليًا بدأت خطوات محسوبة للتأثير على مسار النزاع بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية.

زيارة البرهان للقاهرة بعد زيارته للسعودية لم تكن زيارة بروتوكولية عادية، بل زيارة طلب تدخل، استخباراتي ولوجستي، شملت تنسيقًا أمنيًا وحدوديًا، إضافة إلى التدريب والتسليح. مصر تدرك جيدًا أن مواجهة قوات الدعم السريع وقوات تحالف تأسيس في التدخل المباشر ستتكبد تكلفة عالية، مع احتمالية انخراط إقليمي ودولي يعرضها لضغوط سياسية واقتصادية شديدة.

اتفاقية الدفاع المشترك بين السودان ومصر، التي ظلت مجمدة، بدأت فعليًا مرحلة التفعيل، وهو ما لا يغيب عن النخب السياسية والعسكرية في السودان، لكنه يحتاج إلى توضيح رسمي للشعب السوداني. معظم الشعب السوداني، خصوصًا في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع والتحالفات الأخرى، غير مدرك لهذه الديناميكية، بينما سلطات البرهان لا تتمتع بالشرعية الكاملة.

في هذا السياق، يُنظر إلى النزاع في السودان أساسًا على أنه نزاع داخلي، أي أن أي تدخل خارجي يتطلب احترام القانون الدولي، وإلا فإن مصر ستدخل في مستنقع سياسي وعسكري مكلف. التدخل المباشر في حال تهديد مياه النيل أو الحدود يتطلب حرصًا شديدًا، وهو ما تدركه قوات الدعم السريع والتحالفات الأخرى، التي تحافظ على مكتسباتها الوطنية وتحمي مصالح دول الجوار.

أما على المستوى الدولي، فإن تعاون مصر مع الصين يظل اقتصاديًا وسياسيًا، دون أن يعني دعمًا عسكريًا مباشرًا، حيث تركز بكين على حماية مصالحها في إفريقيا وحزامها الاقتصادي. الخلاصة أن التدخل المصري بدأ بشكل تدريجي منذ جبل مويه، ويعتمد على المصالح الاستراتيجية وليس القوة وحدها، مع دعم الجيش السوداني أمنيًا وعسكريًا وتدريبيًا، دون إدراك الطرف المصري الكامل لتداعيات هذا الدعم على الأرض.

الهدف النهائي للقاهرة يبدو مزدوجًا: إرهاق الأطراف السودانية المتصارعة لفرض تسوية سياسية تخدم مصالحها، مع الحفاظ على الجيش الوطني كركيزة أساسية لأي استقرار مستقبلي. هذا التوازن الاستراتيجي يعكس إدراك مصر أن الأمن في السودان لا يمكن فصله عن مصالحها القومية، وأن الحل السياسي يجب أن يضمن دور الجيش ويحقق استقرارًا نسبيًا دون الانخراط المباشر في حرب مفتوحة.

السودان أمام مرحلة دقيقة، حيث التحديات الأمنية والسياسية تتقاطع مع المصالح الإقليمية والدولية، ويظل الحفاظ على الدولة الموحدة والجيش الوطني الموحد، إلى جانب الحل السياسي المدروس، الطريق الأمثل لتجنب المزيد من الانهيار والتداعيات المكلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!