رأي

الحرب النفسية هندسة الهزيمة “2” فخ “الحياد الأنيق” كيف يخدم المثقفُ الجلادَ؟

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

مجدي محمد مصطفي ماكن 

الهندسة الاجتماعية للخيانة !

يعرف مصطلح “الهندسة الاجتماعية” Social Engineering في علم النفس الحديث بأنه عملية التأثير المتعمد على الإدراك والتفكير واتخاذ القرار لدى الأفراد أو الجماعات، عبر توظيف منظم لآليات نفسية معروفة مثل التحيزات المعرفية، الحاجة للانتماء، الخوف، السلطة، والتكرار، من أجل توجيه السلوك نحو نتيجة محددة دون لجوء للإكراه المباشر. بذلك، الهندسة الاجتماعية ليست “حيلة بسيطة” بل هي منهج مبني على علم النفس، تحليل السياق، وجمع معلومات مسبق.

أما في إطار الحرب النفسية، تعني الهندسة الاجتماعية استخدام منهجي ومدروس لتلك الآليات النفسية للتلاعب بالإدراك الجمعي والسلوك الفردي، عبر استغلال المخاوف، الهوايات، الثقة، والانحيازات النفسية، بهدف دفع الأفراد أو الجماعات لاتخاذ مواقف أو قرارات تخدم الطرف المهاجم، دون وعيهم بأنهم يتعرضون للتوجيه أو الإخضاع.

أما في إطار الحرب السيبرانية أستطيع أن أقول كشخص مختص في الأمن السيبراني إن ما بين نحو 60% الى 98% من الهجمات السيبرانية ومحاولات الاختراق والتهكير في كل العالم، تشمل عنصر هندسة اجتماعية واحد على الأقل “مثل التصيد الاحتيالي الذي يبدأ الهجوم” قبل أي خرق تقني حقيقي.

اختراق العقل الجمعي

في هذا المقال، سنغوص عميقاً لنكشف كيف تُمارس “الهندسة الاجتماعية” علينا باسم الحياد.

أخطر ما في الحروب الوجودية ليس الرصاص الذي يقتل الجسد، بل “الضباب” الذي يغتال الحقيقة. وفي السودان، المصنع الأكبر لهذا الضباب ليس “التلفزيون القومي” وإذاعة “عمر الجزلي” فقط، بل طبقة كاملة من “النخبة المثقفة” التي تدمن الوقوف في المنتصف، متدثرة بعباءات “الموضوعية”، “العقلانية”، و”الحكمة”.

هؤلاء ليسوا مجرد جبناء يخشون اتخاذ موقف فحسب؛ بل هم “مهندسون اجتماعيون” (Social Engineers) يعملون لصالح دولة 56.

وظيفتهم السيكولوجية دقيقة وخطيرة، هي تمييع الحقيقة Dilution of Truth ، وتحويل “الضحية” إلى شريك في الجريمة عبر تقنيات تلاعب نفسي معقدة.

يعتمد “المثقف” المحايد /المخادع في هذه العملية على آليتين خبيثتين من تقنيات الخداع

1/ استغلال “انحياز السلطة” Authority Bias.

دولة 56 تدرك أن الشعب لم يعد يصدق “الجنرال” أو “الكوز”. لذلك، تستخدم واجهات جديدة. الدكتور الأكاديمي، الناشط الحقوقي الأنيق، الخبير الاستراتيجي. عندما يتحدث هؤلاء بلغة منمقة ومصطلحات علمية، يميل العقل الباطن للمواطن البسيط لتصديقهم باعتبارهم “أهل علم”، بينما هم يمررون سردية الجيش/الكوز بكلمات ناعمة.

2/ إعادة ضبط “نافذة أوفرتون” Overton Window

يقوم هؤلاء المثقفون بالتلاعب بما هو “مقبول” اجتماعياً. يجعلون من “المقاومة الثورية المسلحة” فعلاً متطرفاً ومتهوراً، “تمرد على الدولة” ويجعلون من “الخنوع” والتعايش مع الجريمة المنظمة للدولة فعلاً يسمى “حكمة” أو”حفاظاً على النسيج الاجتماعي” و الدولة، مثل هاشتاق “الدولة باقية”.

لكن يمكن ملاحظة ذلك من خلال أخلاق المجتمع. المجتمع عندما يمجد المال/المادة، ويهزأ من القيم الأخلاقية النبيلة، أعلم بأن نخب ذلك المجتمع هم مجموعه مرتزقة من المهندسين الاجتماعين. وقد وصف الدكتور أحمد عكاشة رئيس جمعية علماء النفس العالمية في كتابة “ثقوب في الضمير” ، هذا النوع بالمثقف المخادع، وأنه هو سرطان المجتمعات و الدول، و انه السبب المباشر في خراب الأوطان.

نموذج تطبيقي: نظرية “التماثل الزائف ” False Equivalence مخدر الضمير

عندما يقصف طيران الجيش سوقاً شعبياً في نيالا أو مليط ويقتل المئات، وترد قوات الدعم السريع بقصف مدفعي، يخرج المثقف المحايد ليقول عبارته الأثيرة “طرفا النزاع يدمران الوطن.. هذه حرب عبثية.. لا للحرب”.

هذه الجملة تبدو في ظاهرها قمة الأخلاق، لكنها “مخدر سيكولوجي” شديد المفعول. لماذا؟ إسقاط المسؤولية الأخلاقية عن الجيش الذي شن الحرب ويرفض وقف الحرب، والمساواة بينه وبين من يدافع عن نفسه. للايحاء بأن رفض الدعم للمنهج القديم هو سبب موت هؤلاء الأبرياء في الأسواق.

النخبة تساوي بين ما يفترض أنه “مؤسسة” الجيش، التي تحتكر شرعية الدولة ومسؤولة دستورياً وقانونيا و اخلاقيا عن حماية المواطن، لكنها تستخدم الطيران الذي تم شراؤه بمال المواطن لقتل المواطن في حربها ضد مواطن اخر بدعاوي كاذبه.

بينما الحقيقة ان المعتدي هو طرف واحد يسعي للقضاء على “قوة” (الدعم السريع) التي أنشئها هو نفسه كأداة لكن هذه الاداة في لحظة تاريخية فاصله، امتلكت “الضمير” بفعل صدق و شجاعة رجل واحد، طالبت بتغيير معادلة الحكم للخروج من دائرة الحروب اللانهائية.

الرسالة الضمنية: الحياد هنا يقول للضحية: “مقاومتك للجلاد هي شغب مساوٍ لجريمة الجلاد”.

هذا التماثل يريح ضمير الطبقة الوسطى، ويمنحها مبرراً لعدم اتخاذ موقف، وبالتالي يخدم “الطرف الأقوى” (الدولة العميقة) لأنه يبقي الكتلة الجماهيرية صامتة.

نموذج تطبيقي: إغراق الشباب في الإجرائية Bureaucratizing the Revolution

خير مثال يوضح ذلك هو سلوك النخب السياسية بعد ثورة ديسمبر.

بدلاً من توجيه الطاقة الثورية في ذروة اتقادها نحو “تفكيك النظام و الدولة العميقة” فوراً بعمل جراحي عاجل وحاسم. قاموا بهندسة مسار بديل: أغرقوا لجان المقاومة في “ورش عمل”، “ندوات عن الدستور”، “هيكلة التنسيقيات”، و”صياغة المواثيق” ” مفاوضات” الخ. و تنكروا لاتفاق أديس أبابا مع الحركات المسلحة، ما تسبب في انشاء منبر جوبا التفاوضي، إلهاء قائد الدعم السريع بالبحث عن سلام.

هذا التكتيك يُعرف بـ “التنفيس المؤسسي”.

الهدف: تحويل الغضب الثوري الذي هو “طاقة حركية”، إلى أوراق ونقاشات بيزنطية أي “طاقة ساكنة”.

النتيجة: يشعر الشاب الثوري بأنه “أنجز” لأنه حضر ورشة عمل، بينما في الحقيقة هو تم إلهاؤه عن المعركة الحقيقية. هذا منح الدولة العميقة و النظام وقتاً ذهبياً “عامين كاملين” لإعادة تنظيم صفوفها الأمنية والانقضاض بانقلاب 25 أكتوبر.

وقت ثمين يمكن تجسيد قيمته في صورتين مختلفتين لنفس الشخص.

صورة ناجي عبد الله وقد تمت “كرفسته” بواسطة القائد “أب كيعان” في دفار بعد معركة قاعة قرطبة الشهيرة.

وصورة ناجي عبد الله وهي يهدد بقتل السودانيين من داخل صالون فخم في أفطارات رمضان.

المثقف الذي يبيعك “الندوات” والعدو يشحذ السكاكين، هو شريك في ذبحك.

نموذج تطبيقي: عقلنة الشر Rationalization of Evil

أخطر ما يفعله المثقف التابع لدولة 56 هو إيجاد “مسميات قانونية وسياسية” للجرائم، لجعلها مقبولة أو قابلة للنقاش.

عندما يمنع الجيش الإغاثة عن دارفور وكردفان، والنيل الأزرق لا يقول المثقف “هذه جريمة تجويع”، بل يقول “إنها إجراءات سيادية لضبط الحدود ومنع إمداد المتمردين”.

عندما يتم اعدام الجندي حكيم بابكر تية لأنه تواصل مع أحد اقرباءه في الدعم السريع و كعاده السودانيين دردش معه حق الله بق الله، و بالتأكيد حول الحرب و فرار الجنود و هروب ضباطهم، او عندما يقصف طيران الجيش مدرسة في هيبان

لا يقول لك المثقف تلك جريمة حرب عنصرية مكتملة الأركان، بل يقول لك هذا جزاء كل من يتواصل مع الأمكعوك، او يبقى في مناطق المتمرد عبدالعزيز الحلو.

عندما يعتقل النشطاء، يسميها: “إجراءات احترازية في حالة الطوارئ”.

هذه “اللغويات” تعمل كـ “كاتم صوت” للضمير الجمعي. هي تحول “الجريمة البشعة” إلى “إجراء إداري” قابل للأخذ والرد، مما يقتل التعاطف الإنساني مع الضحايا.

عندما يرفض الجيش تسليم المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولة يبرر المثقف المنحاز ذلك بسيادة الوطن و بعضهم دون حياء بنسبوا تلك الجريمة للدعم السريع !!!

حروب الإلهاء: استراتيجية “الإغراق المعلوماتي”

في العصر الرقمي، الرقابة لم تعد تعني “منع المعلومة”، بل تعني “إغراقك بالمعلومات التافهة” حتى لا تجد الحقيقة.

دولة 56 طورت أدواتها. لم تعد تكتفي بتلفزيون السودان؛ وبرنامج ساحات الفداء، بل أنشأت “كتائب إلكترونية” (الذباب الإلكتروني) منهم “المدللون” في برج الاتصالات، هؤلاء وظيفتهم هندسة اليأس لنشر الاحباط.

نموذج تطبيقي: تكتيك “إطفاء الحرائق بالحرائق” عندما يحقق “تحالف تأسيس” انتصاراً دبلوماسياً أو عسكرياً، أو عندما ترتفع الأصوات المطالبة بوقف الحرب، و ملاحقة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، تلاحظ فجأة ظهور “ترند” غريب:

تسريب فضيحة أخلاقية لفنانة أو ناشط. إثارة نعرة قبلية حادة في ولاية بعيدة، مثل القبض على “مورالي” مع زوجة مستنفر ديناري. نشر إشاعة مرعبة (كاذبة) عن هجوم وشيك. مثل متحركات الصياد الوهمية! الهدف؟ تشتيت الانتباه Distraction.

العقل البشري لا يستطيع التركيز على قضيتين وجوديتين في آن واحد. الدولة تشغلك بـ “فرعيات” لتمرر “الأساسيات”.

نموذج تطبيقي: صناعة “القبيلة” كبديل لـ “الوطن” الدولة العميقة عملت لعقود على تدمير النقابات والأحزاب والاتحادات الطلابية (التي تجمع الناس على أساس المصالح والأفكار)، وأبقت فقط على “الإدارة الأهلية” (التي تجمع الناس على أساس الدم). لماذا؟ لأن النقابة تثور ضد الظلم، لكن القبيلة تثور ضد القبيلة الأخرى.

عندما تحول الدولة الصراع السياسي إلى صراع قبلي، فهي تضمن أن السودانيين سيذبحون بعضهم البعض نيابة عنها، بينما يجلس الجنرال في مكتبه ليلعب دور “الحكم” بين المتصارعين. يمكن مشاهدة ذلك في الصراعات القبيلة التي تفتعلها الاستخبارات العسكرية ثم تأتي الدولة لتقوم بدور المصلح ودفع الديات الخ.

الخلاصة:

في معركة تفكيك دولة التمكين، لا يوجد حياد، لا توجد منطقة رمادية. المنطقة الرمادية هي المكان الذي تدفن فيه الدولة العميقة ضحاياها بصمت كما حدث لسكان الكنابي في الجزيرة و سكان الحزام “الأسود” في الخرطوم.

انحيازك للحقيقة هو معيار إنسانيتك. لا تسمح أن يحولوك الى “زومبي” يستهلك ما يُرمى له في الفيسبوك والوسائط الاخرى.

كلما رأيت ضجيجاً عالياً حول قضية تافهة، ابحث فوراً عما تحاول الدولة إخفاءه في الظلام.

في الحلقة القادمة

هندسة الهزيمة 3– الختام

بروتوكول “المناعة النفسية”: مانيفستو التحرر من مصفوفة الوهم The Matrix

دولة 56 هي “نظام تشغيل” (Operating System) خبيث تم تحميله في عقلك منذ ولادتك، بروتوكول وإجراءات الفرمته.

دولة 56 لا تحكم بالحقائق، بل تحكم بـ “المثيرات الشرطية” مثل تجربة بافلوف.

احذروا القوارير !!!!

قتل “الأفندي” في داخلك: التمرد الجمالي والثقافي

استراتيجية “قلب الطاولة”: من الدفاع إلى الهجوم الأخلاقي, لا تسمح للص ان يحاضرك عن الأخلاق و الوطنية.

إستراتيجية الهجوم الشامل

السلاح “النووي” الحاسم، وعي الطبقة ضد وعي القبيلة. كيفية تفعيله.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!