رأي

في ذكرى الثورة الشعبية : يتقهقرون بينما يتقدم الآخرون  

خالد فضل

 

خالد فضل 

شكّلت الثورة الشعبية الأخيرة في السودان منعطفا مهما في مسار الدولة السودانية , فهي قد كانت تتويجا موضوعيا لنضال تراكمي عبر ثلاثين سنة قضتها البلاد رهينة بحق بين يدي سلطة تنظيم الإسلام السياسي / المؤتمر الوطني , غني عن الذكر ما ساد خلال تلك الحقبة من الخطايا والرزايا والفواجع الإنسانية المروعة , وما ترتب عليها من انهيار شامل لأسس بناء الدولة وركائزها سواء على المستوى المؤسسي أو المستوى المادي . ولا أدل على ذلك الانهيار التام أنّ التركة الثقيلة للعهد المباد قد قادت البلاد في منتصف أبريل 22023م إلى محطة التدمير النهائي للبلد , وعوضا عن مصطلح التنمية صار المطلوب الآن وبشكل عاجل الإغاثة والبقاء على قيد الحياة ووقف إزهاق الأرواح , فيما تقهقر مفهوم التنمية ليصير (إعادة الإعمار) , وتلك كارثة إنسانية موجعة , في عصر تتنافس فيه الشعوب وتتقدم الدول صوب تطوير رقائق الذكاء الإصطناعي والإستفادة القصوى من التقدم التقاني وانفجار المعرفة وثورة الإتصالات .

تميّزت الثورة الشعبية بعدد من السمات أبرزها , نهوضها المنظم عبر شبكة تنسيق بيني أفقي ممثلا في لجان المقاومة التي انتشرت في معظم أنحاء البلاد , وهي تشكيلات طوعية مرنة لا تتخذ قواعد التنظيم التقليدية فهي بطبيعتها ليست منتخبة أو معيّنة من جهة ما , إنها حركة شبابية في الغالب تقوم على التضحية والفدائية المذهلة والسلمية الكاملة في وسائل التعبير , ثم أنها واجهت اقلمع المفرط من عناصر وجهاز دولة مسيطر عليه كليا بوساطة عناصر آيدولوجية عنفية تؤمن بإمتلاك الحيقة المطلقة والحق الوحيد في السيطرة والحكم باسم الله , كذلك ميّز الثورة الإستفادة من وسائل التواصل الإجتماعي ووسائط السوشيال ميديا الحديثة في الحشد والتعبئة ونشر الوعي .

صحيح أنّ الثورة لم تكمل أهدافها في هدم بنية الدولة العقيمة وتأسيس بناء حديث يلائم طموحات الأجيال الشابة وسعة معارفهم , لكنها أحدثت قطيعة مع الإرث القديم العقيم على الأقل , فباتت مطالب الدولة المدنية من البنود الثابتة لدى أكبر شريحة في المجتمعات السودانية , باتت مسألة إدارة التعددية والتنوع أمرا لازما لأي بناء جديد للسودان , وإحترام حقوق الإنسان من الأولويات , وهذه مؤشرات إيجابية نحو التخلي الشعبي عن أدبيات الإسلام السياسي المجافية لهذه القيم , والتي ركزت على مدى ثلاثة عقود على محو الذاكرة وإزالة آثار التوق الطبيعي للحرية والعدالة وحكم القانون في مجتمع ديمقراطي علماني . الآن ورغم فجائع الحرب وهول التضليل المصاحب لها يظل الهتاف الثوري حرية سلام وعدالة صادعا عبر مختلف المواقع بما في ذلك مدرجات ميادين كرة القدم . وتضاءل مردود الهتاف الإخواني البائس هي لله هي لله , فقد افتضح أمره وكشفت فترة السلطة المدنية القصيرة جدا كم هو مضلل وخائب هذا الشعار .

اليوم , وفي أتون الحرب الأهلية ؛ التي انفجرت أساسا بين مكونات المؤسسة العسكرية للنظام السابق , وكنتيجة حتمية لمفارقة مسار البناء الوطني الرشيد وقطع الطريق على مسار الثورة بإنقلاب 25أكتوبر 2021م , وظهور التباين حول استمرار المسار الصاعد إلى الأمام عبر خطة مبادي الإتفاق الإطاري أو التمترس خلف مشروع العودة القهقري للنظام المباد , والملاحظ أنّ النظام المباد قد استنفد أغراضه تماما , ولم يطور تنظيمه اي مشروع جديد للحكم , إنّه فقط يريد اجترار الماضي , وجرّ البلاد غصبا إلى العهد السحيق بكل موبقاته وكأن شيئا لم يحدث , وطموحا مغايرا لم يشب عن الطوق , وكأن الناس ما يزالون أسرى لتضليل راديو أم درمان وتلفزيونها الفقير , في مقابل ذلك يطرح مشروع سياسي موضوعي لتأسييس سودان جديد وفق مبادئ واضحة تحدد طبيعة الدولة الوطنية الرشيدة , علمانية ديمقراطية لامركزية تعتمد الوحدة الطوعية بين الشعوب السودانية بكفالة الحق في تقرير المصير , وجعل مبادئ حقوق الإنسان فوق الدستورية بحيث لا يمكن النكوص عن مرتكزات بناء الدولة الوطنية الجادة . هذا المشروع في تقديري هو الأكثر تقدمية , وقد تكون هناك صعوبة فعلية في الإختلاف حوله بين جميع القوى المنتمية للثورة أو التي تدعو لها وتؤيدها بما في ذلك تحالفي صمود والتغيير الجذري , وإن كانت هناك تحفظات على قوات الدعم السريع كفصيل عسكري من إرث الدولة القديمة دولة التنظيم الإسلامي المحظور , فإن مبادئ التأسيس قد عالجت هذه الوضعية بالإصرار على تكوين جيش مهني قومي موحد لإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش , ولعل قائد الدعم السريع الفريق حميدتي مضى أكثر من ذلك بقوله إنّ بناء ذلك الجيش يجب أن يتم تحت قيادة وإشراف سلطة مدنية كاملة , وحدد مهامه بالدفاع عن الحدود فقط نافيا عنه اللازمة المستمرة (حماية الدستور) موضحا في هذا الصدد أنّ حماية الدستور هي واجب الشعب وليس من مهام القوات المسلحة , أ ليس هذا تطورا ملهما في فهم قيادة هذا الفصيل العسكري ؟ هل نظل أسرى إرث وأدبيات وممارسات الماضي , التشكيك المستمر في النوايا , المكابرة وتجافي الوقائع والركون إلى التصورات المسبقة , عدم القبول بالطرح الموضوعي والتمسك بعقلية يا فيها يا أطفيها , ثم ممارسة وتنفيذ فكرة البصيرة أم حمد بالعودة إلى النقطة الصحيحة بعد تدمير كل شئ , هل ننظر إلى مشروع التأسيس من خلال الدعم السريع وانتهاكاته في هذه الحرب أم نشرئب إلى المستقبل الوطني الرشيد ؛ والذي بالضرورة لا يمكن بنائه باستثناء الدعم السريع , ليس كجيش مواز بل ضمن بناء الجيش الوطني اقلومي الجديد وفق خطوات علمية وعملية والإستعانة بخبرات وتجارب دولية مرموقة وخبرات إقليمية طبقت في بلدان مشابهة , لننظر إلى أدبيات التأسيس بعين واعية وعقل مفتوح نحللها ونقومها وننتقدها هنا أو هناك عوضا عن المقولات الكسولة عن نرفض سلطة موازية , نرفض المليشيات , نرفض ونرفض ونرفض ثم لا نأتي بالبديل الموضوعي العملي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!