
د. موسى الأمين حمودة
لأول مرة في تاريخ الحروب والصراعات المعاصرة، نشهد حالة يسبق فيها النصر العسكري الفعلَ السياسي، في مفارقة نادرة تعكس اختلالًا في ترتيب الأولويات داخل المشروع السياسي لتحالف تأسيس نفسه. فقد حققت قوات الدعم السريع وقوات تحالف «تأسيس» تقدمًا ميدانيًا لافتًا، تجاوز في تأثيره وحضوره ما قدمته حكومة «تأسيس» على المستويين السياسي والدبلوماسي وذلك عقب مضيء أشهر على قيامها.
لقد تفوقت بندقية «تأسيس» على قلمها، وهو أمر لا يُعد إنجازًا مكتملًا بقدر ما يُعد إنذارًا مبكرًا. ففي التجارب التاريخية، لا يكتمل النصر العسكري إلا حين يُترجم إلى مشروع سياسي واضح، قادر على مخاطبة الداخل وكسب ثقة المواطن، والتفاعل بذكاء مع الخارج. أما حين يظل الخطاب السياسي متأخرًا عن الميدان، فإن ذلك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الرؤية، والقدرة على إدارة ما بعد الانتصار.
المواطن اليوم لم يعد يكتفي بالخطابات ولا بالشعارات الكبيرة. لقد أنهكته الحرب، وأثقلته الأزمات، وأصبح يبحث عن مؤشرات عملية في ضروب الخدمات الأساسية المختلفة ،تعيد له الثقة في أي سلطة تدّعي تمثيله. الثقة لا تُبنى بلغة التعبئة وحدها، بل بخطوات ملموسة: إدارة مدنية رشيدة، خطاب سياسي صادق، رؤية واضحة لمستقبل الدولة، وآليات شفافة لتحويل القوة العسكرية إلى استقرار سياسي وخدمات حقيقية.
إن استمرار الفجوة بين الإنجاز العسكري والأداء السياسي يُهدد بتبديد ما تحقق على الأرض. فالتاريخ مليء بتجارب انتصرت عسكريًا ثم فشلت سياسيًا، لأن القيادات السياسية لم تُحسن قراءة لحظة التحول، ولم تدرك أن السلاح يفتح الطريق لكنه لا يبني الدولة.
حكومة «تأسيس» اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن ترتقي بخطابها وأدائها إلى مستوى تضحيات المقاتلين وإنجازاتهم، أو أن تظل أسيرة لغة لم تعد تقنع الشارع ولا تطمئن الحلفاء. المطلوب ليس تغيير الكلمات فقط، بل تغيير المنهج، والانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة، ومن إدارة المعركة إلى إدارة المجتمع.
فالنصر الحقيقي لا يُقاس فقط بما يُحرز في الميدان، بل بما يُحافظ عليه في السياسة، وبما يلمسه المواطن في حياته اليومية. دون ذلك، سيبقى الانتصار ناقصًا، مهما بدا عظيمًا في ساحات القتال.




