
محمد أحمد قرقر
لم تُرهقنا الدكتاتورية بوصفها أنظمة حكم سياسية عابرة فحسب، بل أرهقتنا بوصفها ثقافة متجذّرة تشكّلت عبر عقود طويلة، ثقافة يسودها العنف والقتل، وتتعاظم فيها نزعات الحقد والكراهية والحسد، ويترسخ فيها الفساد والنفاق الاجتماعي، ويتمدد عبرها الذل والجبن والخنوع. هذه الثقافة لم تكن طارئة على المجتمع السوداني، بل مورست على مدى فترات طويلة، حتى تركت بصماتها العميقة على الشخصية السودانية، وكانت خصماً مباشراً على القيم والمثل والأخلاق النبيلة والسلوك الإيجابي الذي عُرفت به.
لقد أسهمت الحقب الدكتاتورية العسكرية المتعاقبة في صناعة الحروب، وكانت خسائرها فادحة، لم تقتصر على الموارد والممتلكات فحسب، بل طالت المواطن السوداني العادي، الذي أورثته البؤس والمعاناة والشقاء. كما دفعت هذه السياسات آلاف العقول السودانية إلى الهجرة القسرية بحثاً عن بيئة إنسانية ومعيشية أفضل، فخسر الوطن طاقاته الحقيقية.
وتُعدّ حقبة نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير الأسوأ بين تلك الحقب، لما شهدته من ارتداد خطير نحو القبلية والعنصرية، التي جرى تجييشها باسم الدين، وتحويله من رسالة رحمة وعدل وإحسان وتسامح إلى أداة قتل وسفك دماء. وقد انعكس ذلك سلباً على وجدان أجيال كاملة من الشباب، وعمّق التخلف الاقتصادي والاجتماعي، بدلاً من إشاعة ثقافة التآخي والسلام.
واليوم، يقف الشعب السوداني أمام فرصة تاريخية نادرة لإغلاق هذا الباب إلى الأبد، عبر العمل المشترك لوضع أسس جديدة ومحكمة لكيفية الوصول إلى السلطة وممارسة الحكم، بعيداً عن إراقة الدماء وإهدار الموارد. فالسودان بلد غني، حباه الله بنعم فوق الأرض وتحتها، ولو تحقق الاستقرار في ظل حكم مدني ديمقراطي، ودستور دائم، وجيش وطني مهني حقيقي، فإن السودان قادر على النهوض خلال عشرة إلى خمسة عشر عاماً.
لقد كانت الحروب السبب الرئيس في إفقار الشعب السوداني، لما لها من آثار اقتصادية مدمّرة، إذ تتسبب في انهيار الإنتاج، وارتفاع معدلات التضخم، وتزايد الديون، وتدهور العملة، وهجرة الاستثمارات، وتدمير البنية التحتية. آن الأوان لتجاوز الخلافات الجهوية والإثنية الضيقة، والانحياز للوطن، وبناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، والحرية، والديمقراطية، وصندوق الاقتراع، بوصفه الفيصل الوحيد لتداول السلطة.




