
بروفيسور… سيف الدين عبد الرحمن
أثارت مقاطع فيديو و صور في وسائل التواصل تُظهر نفوق أعداد هائلة من الفئران في مناطق مختلفة من السودان أثارت حالة من القلق، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الظاهرة وأسبابها، لا سيما في سياق حرب ممتدة وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة المعنية بالصحة و البيئة. و تزداد خطورة هذه المشاهد ليس فقط بسبب ما تعكسه من خلل بيئي محتمل، بل بسبب غياب أي تفسير رسمي أو تحقيق علمي شفاف، ما يجعل المجال مفتوحًا أمام التأويلات.
من منظور علمي، تُعد الفئران من الكائنات الحسّاسة للغاية للتغيرات البيئية والمواد السامة، وغالبًا ما تُستخدم في الدراسات البيئية بوصفها مؤشرات حيوية ( bio-indcators) على التلوث الكيميائي أو البيولوجي. فإن نفوقها بكميات لا يمكن اعتباره حادثًا عرضيًا أو معزولًا، بل يستوجب فحصًا منهجيًا للسياق البيئي المحيط، بما في ذلك مصادر المياه، و نوعية التربة، و الهواء، و المواد المستخدمة في مكافحة القوارض (Rodenticides) أو فحص أنواع الاسلحة المستخدمة في العمليات العسكرية.
تشير المرجعيات العلمية إلى أن أكثر الأسباب شيوعًا لنفوق القوارض بأعداد كبيرة تتمثل في التسمم بمبيدات القوارض، خاصة عند استخدامها بجرعات عالية أو بمواد محظورة، وهو أمر مرجّح في البيئات التي تشهد تدهورًا في شروط السكن والصرف الصحي. وفي الحالة السودانية، تتضاعف هذه الاحتمالات في ظل غياب الرقابة الحكومية، وتفكك أجهزة التفتيش البيئي، وترك إدارة المخاطر الصحية لاجتهادات فردية غالبًا ما تفتقر إلى الحد الأدنى من التحقيق العلمي.
كما لا يمكن استبعاد فرضية التلوث البيئي الناتج عن تسرّب مواد كيميائية صناعية، سواء بسبب القصف، أو التخزين غير الآمن، أو تدمير بنى تحتية لمواد كيميائية، وهي سيناريوهات معروفة في مناطق النزاعات المسلحة. و في مثل هذه الحالات، تكون القوارض أكثر الكائنات تأثرًا، بينما قد تتأخر الأعراض في البشر أو تمر دون توثيق بسبب انهيار النظام الصحي.
أما فرضية استخدام أسلحة كيميائية محظورة، فعلى الرغم من خطورتها السياسية و الأخلاقية، لا يمكن إثباتها أو نفيها بالاعتماد على المشاهد المصوّرة وحدها فآليات التحقيق المعتمدة تشترط وجود أدلة مخبرية دقيقة، تشمل تحليل عينات من التربة و المياه، و فحوصات تشريحية للفئران النافقة و الكائنات الاخرى، مع رصد مؤشرات مرضية على البشر في النطاق الجغرافي نفسه “التدابير التي لن تتبع بعد. غير أن طرح هذه الفرضية في السياق السوداني لا يمكن اعتباره ضربًا من التهويل، في ظل حرب اتسمت بتجاوزات واسعة، واستخدام أسلحة غير موثقة المصدر.
لكن الأكثر إثارة للقلق من سبب النفوق نفسه هو صمت السلطات، وعدم صدور أي توضيح أو فتح تحقيق، أو السماح بوصول فرق وطنية أو دولية مستقلة، ما عدا لجنة وزارة الزراعة و التي عزت نفوق الفئران الي التعب و الإنهاك جراء المسافات الطويلة التي قطعتها!!، كما أنها لن تتبع منهجا علميًا واضحا، و اختصر تقريرها على ولاية الجزيرة في حين أن ظاهرة نفوق الفئران قد تكررت في مناطق أخرى مثل شمال كردفان و خشم القربة و نهر النيل.
هذا الصمت لا يمكن فصله عن واقع دولة جرى تفريغها من وظائفها الأساسية، حيث غابت وزارات الصحة و البيئة كأدوات فاعلة، وتحولت سلامة المدنيين و البيئة إلى ملف ثانوي في معادلة عسكرية صِرفة.
أما من منظور الصحة العامة، فإن تجاهل مؤشرات كهذه يحمل مخاطر بعيدة المدى، إذ قد يشير نفوق القوارض إلى وجود ملوثات تتراكم تدريجيًا في السلاسل الغذائية (biomagnification)، أو إلى بيئة مهيأة لانتقال أمراض مشتركة بين الحيوان و الإنسان. و في غياب الرصد الوبائي المنتظم، تصبح هذه المخاطر غير مرئية، لكنها لا تقل تهديدًا عن الأسلحة المحظورة دوليا (banned weapons).
فإن التعامل المسؤول مع هذه الظاهرة يقتضي فتح تحقيق علمي مستقل و شفاف، تشارك فيه جهات مختصة بالصحة و البيئية، مع نشر نتائجه للرأي العام دون مواربة. فالمسألة لم تعد تتعلق بنفوق الفئران في حد ذاته، بل بمستوى الاستخفاف بحياة المدنيين وحقهم في بيئة آمنة، في بلد تحوّل بفعل الحرب و الانهيار المؤسسي إلى فضاء مفتوح لاحتمالات الخطر غير المرئي. و في هذا السياق، يصبح نفوق القوارض مؤشرًا سياسيًا و بيئيا في آن واحد ، ودليلًا إضافيًا على أن غياب الدولة لا يُقاس فقط بإنهيار المؤسسات، بل أيضًا بانعدام الإجابة على الاسئلة الملحة على شاكلة ماذا يحدث حولنا، و من المسؤول؟.




