وهم الدولة القديمة في خطاب كامل إدريس امام مجلس الامن وأفق السودان الجديد
دكتور خالد كودي .. نيروبي

د. خالد كودي، نيروبي
في مساء الاثنين 22 ديسمبر 2025، وخلال جلسة رسمية لمجلس الأمن الدولي في نيويورك، خاطب الدكتور كامل إدريس المجلس بصفته رئيسًا لما يُسمّى ب “حكومة الأمل المدنية الانتقالية”، في لحظةٍ تاريخية بالغة الدلالة، يأتي فيها السودان غارقًا في حرب شاملة، وانهيار إنساني غير مسبوق، وتفكك فعلي لمفهوم الدولة. وقد نُقل الخطاب بوصفه إعلانًا لمبادرة سلام سودانية موجّهة إلى المجتمع الدولي، ومصاغة بلغة القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن.
غير أن سياق المخاطبة نفسه يكشف المفارقة الجوهرية في الخطاب:
فكامل إدريس لم يتحدث باسم سلطة انتقالية نابعة من إرادة شعبية، ولا باسم دولة أعادت تأسيس شرعيتها، بل خاطب مجلس الأمن من موقع حكومة أمر واقع تتمركز في بورتسودان، وتستند سياسيًا وعسكريًا إلى قيادة الجيش السوداني بزعامة عبد الفتاح البرهان، وإلى البنية الصلبة لجيش الحركة الإسلامية الذي أعاد إنتاج نفسه بعد سقوط نظام البشير، ثم بعد انقلاب 25 أكتوبر، وأخيرًا عبر الحرب الجارية
في هذا الإطار، ظهر الخطاب – رغم نبرته الهادئة وصياغته القانونية – بوصفه صوتًا ناعمًا لسلطة صلبة، ولسانًا مدنيًا مُصطنعًا لنظام عسكري–إسلامي دموي يسعى إلى إعادة تدوير شرعيته أمام المجتمع الدولي. لم يكن الخطاب، في جوهره، سوى إعادة صياغة لغوية لوهم الدولة القديمة: دولة تدّعي احتكار الشرعية، بينما تعجز عن الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن إنتاج العنف، وتتفادى مواجهة جذور الكارثة السودانية، مكتفيةً بتوجيه نداءات أخلاقية جوفاء إلى مجلس الأمن، وكأن الأزمة السودانية أزمة “مليشيا خارجة عن الدولة”، لا أزمة دولة نفسها.
بهذا المعنى، فإن خطاب 22 ديسمبر 2025 لا يمكن فصله عن سياق الانهيار البنيوي للدولة السودانية، ولا عن محاولة سلطة بورتسودان استعادة الاعتراف الدولي عبر خطاب مُنمّق، في لحظةٍ بات فيها سؤال الشرعية، والتأسيس، وجذور الحرب، هو السؤال المركزي الذي لا يملك هذا الخطاب الوعي ولا القدرة او الشجاعة للإجابة عنه.
أولًا: تلخيص الخطاب – طوباوية مُغلقة وصلف لغوي
يمكن تلخيص خطاب كامل إدريس في النقاط الآتية:
١/ توصيف الحرب توصيفًا اختزاليًا باعتبارها “تمرد مليشيا” (الدعم السريع)، مع إخلاء كامل لمسؤولية الدولة السودانية التاريخية، والجيش، والنظام الإسلامي، عن إنتاج هذه المليشيا ورعايتها منطلقا.
طرح مبادرة سلام تدّعي الشمولية والواقعية، لكنها تقوم جوهريًا على:
– وقف إطلاق نار مشروط باستسلام طرف واحد.
– نزع سلاح انتقائي.
– دمج وإعادة دمج وفق معايير الدولة نفسها التي أنتجت الأزمة.
٢/ استدعاء المجتمع الدولي (مجلس الأمن، الأمم المتحدة، المبادرات السعودية–الأمريكية–المصرية) بوصفه “المنقذ” الذي ينبغي أن يقف “في الجانب الصحيح من التاريخ!” والذي يعتقد انه جانب سلطة بورسودان!
٣/ التبشير بعدالة غير انتقائية ومصالحة غير شكلية، دون أي التزام واضح بمحاسبة بنية الدولة، أو تفكيك منظومة الإفلات من العقاب.
٤/ الوعد بعملية سياسية وانتخابات بعد “استعادة سلطة الدولة”، أي الدولة ذاتها التي فجّرت الحرب وأدارتها!
هذه ليست رؤية سلام، بل طوباوية سلطوية: لغة عالية النبرة، منفصلة عن الوقائع المادية للحرب، ومتعالية على أسئلة السلطة، والملكية، والهوية، والعدالة التاريخية، بل ومايجري علي الأرض فعليا.
ثانيًا: كامل إدريس كدمية – مدنية الواجهة وخشونة الجوهر
ليس كامل إدريس هنا فاعلًا سياسيًا مستقلًا، بل دمية ناطقة لنظام بورتسودان. دمية تُحرَّك بخيوط الجيش والحركة الإسلامية، وتُقدَّم للمجتمع الدولي بوصفها “حكومة أمل مدنية انتقالية”، في حين أن:
– لا وجود لسلطة مدنية حقيقية
– لا وجود لانتقال
– لا وجود لقطيعة مع دولة الإنقاذ
– الخطاب يتجنب بعناية تسمية الأشياء بأسمائها:
– لا ذكر لانقلاب 25 أكتوبر
– لا ذكر لمسؤولية الجيش في تفجير الحرب
– لا ذكر لجرائم الدولة منذ دارفور حتى الخرطوم
– لا ذكر لبنية التهميش، ولا لمركزية السلطة، ولا لعنصرية الدولة
إنه خطاب إنكار سياسي شامل، يُحوِّل رئيس الوزراء إلى قناع مدني لوجه عسكري–أيديولوجي متغوّل.
ثالثًا: تفنيد المبادرة – لماذا هي غير قابلة للحياة؟
١/ وقف إطلاق النار المشروط بالهزيمة
لا يمكن لأي وقف نار أن يكون مستدامًا إذا بُني على منطق:
“انسحبوا، ثم نراقبكم، ثم ننزع سلاحكم، ثم نُقرِّر مصيركم”
هذا ليس سلامًا، بل استسلام مفروض، يُعيد إنتاج الحرب بأدوات مؤجلة.
٢/ نزع السلاح دون تفكيك الدولة
نزع سلاح الدعم السريع، دون:
– تفكيك الجيش العقائدي
– حل جهاز الدولة الإسلامي
– إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة
هو وصفة كلاسيكية لإعادة تدوير العنف.
٣/ عدالة انتقائية مقنّعة
الحديث عن “عدالة غير انتقائية” يتناقض جذريًا مع:
حصر الجريمة في “المليشيا/الدعم السريع”!
– إسكات سجل الدولة في الإبادة والتهجير والقصف
– تجاهل العدالة التاريخية لصالح “عدالة انتقالية” مُفرغة
٤/ مصالحة بلا حقيقة
لا مصالحة بلا:
– اعتراف بالجريمة.
– تسمية للجناة.
– عدالة تاريخية
– تفكيك للهياكل التي أنتجت العنف.
… وكل ذلك غائب تمامًا
رابعًا: لا سلام بلا جذور – ما هي جذور الأزمة السودانية؟
أي حديث عن وقف الحرب، أو السلام، أو الدولة، لا قيمة له ما لم يبدأ من معالجة جذور الأزمة السودانية، وهي جذور بنيوية لا أمنية:
١/ الدولة المركزية العنصرية.
دولة بُنيت منذ الاستعمار على:
– مركز مهيمن (نهر/خرطوم)
– أطراف مُستباحة (دارفور، جبال النوبة، النيل الأزرق، الشرق)
٢/ الهوية الإقصائية.
فرض هوية عربية–إسلامية قسرية، وإقصاء التعدد الإثني، الثقافي، والديني
٣/ عسكرة السياسة.
دولة تُدار بالبندقية منذ الاستقلال، حيث الجيش:
– صانع الحكومات
– وحامي الامتيازات
– ومُنتج المليشيات
٤/ الإفلات البنيوي من العقاب.
من دارفور إلى القيادة العامة، لم تُحاسَب الدولة، بل أعادت إنتاج نفسها بأسماء جديدة.
٥/ نهب الموارد وتهميش الأقاليم.
اقتصاد ريعي–نهبي، يُموِّل المركز، ويُفقِر الهامش.
خامسًا: طريق واحد فقط – رؤية السودان الجديد وتحالف “تأسيس”
خلافًا لطوباوية كامل إدريس، فإن رؤية السودان الجديد وتحالف “تأسيس” ينطلقان من مسلمة واضحة:
لا سلام بلا تفكيك الدولة القديمة، ولا دولة بلا عقد اجتماعي جديد.
وهذا يعني:
– علمانية الدولة بلا مواربة
– إعادة تأسيس الجيش على أسس وطنية لا عقائدية
– الاعتراف بحقوق الشعوب المهمشة، بما فيها حق تقرير المصير
– عدالة تاريخية لا تساوي بين الضحية والجلاد وترد الحقوق لاصحابها
– لا مركزية حقيقية في السلطة والثروة
– شرعية جديدة تنبع من الهامش، لا من مجلس الأمن!
خاتمة: الشرعية من الجذور لا من الخطابات:
خطاب كامل إدريس ليس لحظة تأسيس، بل لحظة إنكار متأخرة. ليس أفقًا لبناء السودان، بل محاولة يائسة لإعادة تعويم دولة غرقت أخلاقيًا وسياسيًا قبل أن تغرق عسكريًا. إنه، في جوهره، دفاعٌ لغوي عن الدولة القديمة، لا مشروع خلاص لشعبٍ سُحقت حياته بالحرب، والتهميش، والإفلات من العقاب.
إن شرعية بناء السودان لا تُستجدى من المنابر الدولية، ولا تُصاغ في بيانات منمّقة، بل لا طريق لها سوى معالجة الجذور العميقة التي أنجبت الحروب: بنية الدولة المركزية، عسكرة السياسة، الإقصاء الهويّاتي، والنهب المنظّم للثروة والسلطة. ومن دون تفكيك هذه الأسس، لا معنى للحديث عن سلام، ولا قيمة لأي مبادرة مهما حسنت لغتها.
والتاريخ – الذي يستدعيه إدريس بإلحاح – لا ينحاز للأقنعة ولا للواجهات المدنية المصطنعة. التاريخ يقف مع من يملكون شجاعة كسر البنية لا تلميعها، ومع من يطرحون مشروع سودان جديد قائم على العدالة التاريخية، والمواطنة المتساوية، والتأسيس الجذري لدولة مختلفة لا ترقيع دولة منهارة.
أما المجتمع الدولي، فليس ساذجًا ولا غافلًا عن حقائق السودان. يعرف جيدًا أن الحروب لا تُوقَف بالخطاب، وأن السلام لا يُصنَع بتسمية الأعراض وتجاهل المرض. يدرك أن أي مشروع لا يواجه جذور الأزمة هو مجرد هدنة لغوية تؤجّل الانفجار، لا حلًّا يمنع تكراره. ولهذا، فإن كل مبادرة لا تبدأ من الجذور، ولا تنحاز بوضوح إلى مشروع تأسيس جديد، ستظل جزءًا من المشكلة، لا طريقًا إلى الخلاص.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)




