رأي

صدور عارية

التنوير .. منقول

 

التنوير … منقووول 

حينما يحل الصيف عندنا هنا في هولندا وربما في بلدان أوربية أخرى، يلجأ بعض الشباب ربما بسبب اعجابهم بأنفسهم في هذه المرحلة العمرية لكشف صدورهم والتجول بهذه الهيئة في الشوارع والاسواق والأماكن العامة، للدرجة التي اضطرت معها بعض محلات السوبر ماركت لمنع دخول الأشخاص، أو الرجال بالأحرى، أصحاب النصف العلوي المكشوف.

ومسألة العري، كاملا كان أو غير كامل، كانت على الدوام محل فحص وتنظيم من قبل المؤسسات التربوية والأسرة والمؤسسات الدينية، ومن ناحية أخرى محل تأمل جمالي وفني..

انتبهت للفكرة وأنا أطالع الكتاب الفخم للأديب والباحث “امبرتو ايكو” صاحب “اسم الوردة” الذي استعرض هيئات الجسد الادمي في مدخل الكتاب عبر جداول زمنية تبدأ من فترة قبل الميلاد وتنتهي بالقرن العشرين، و دون أي تعليق أو شرح من جانبه، مفرقا بين جسد الانثى عبر التاريخ تحت عنوان: فينوس العارية

وجسد الرجل تحت عنوان: أدونيس العاري

نكتشف أن فكرة تصوير جمال الجسد البشري بدأت بشكلها الوظيفي من خلال تمثال “فينوس ويلندورف” وهي فينوس ضخمة كبيرة النسب، كبيرة الصدر والتكورات الانثوية الأخرى.. وهي ميزات تمثل الأمومة والخصوبة والقدرة على الانجاب. الناظر للتمثال اليوم قد لا يرى فيه أي درجة من الجمال بالمعنى الحسي، ولكنه جمال الفكرة.

نرى نفس الجانب الوظيفي للجسد العاري أو الجزء العاري من منه، نراه في بعض المناطق في السودان قديما في بعض الصور التي تظهر فتيات كاشفات الصدر مثل تلك المستخدمة في قارورة عطر “بنت السودان” كي يرى الناظر الاثداء الصغيرة المنتصبة التي تخبر الناظر بأنها لم تمس من قبل كائن آخر.. وهو دليل العذرية وصيانة الجسد وحصانته.

 

من هذه الفكرة وبما أن الجسد هو موضوع لمسألة العفة التي تنظمها الأخلاق السائدة في مجتمع ما، نرى أن مثل هذا التنظيم في البداية كان له وجه طبقي، ومهمته حماية جسد الطبقة وحدها دون سواها من شرائح اجتماعية أخرى.. أبناء النبلاء والاقطاعيين سابقا كانوا يحظون بمعلمين يوفرون لهم بشكل فردي كامل المعرفة المتعلقة بحسن الادب والتصرف والحدود المرسومة للتعامل بين الجنسين وفنون الاتيكيت في التعامل مع النساء.. في الوقت الذي كانت تعفى فيه الطبقات الفقيرة من مسألة الاخلاق هذه، فإن حدثت علاقات جسدية نتجت عنها امراض معينه مثلا.. تكون متبادلة داخل هذه الطبقة التي يمكن لها أن تتآكل بفعل الأمراض دون أن يتأسف عليها أحد..

ذات الفرز الطبقي في مجال الاخلاق والسلوك نراه في المجتمعات التي شهدت عمليات الرق، فترى الجارية لا تستر جسدها في حضور مالكها، الأمر الذي يشير أيضا لإعفاء هذه الشريحة من مطالب الفضيلة والسلوك القويم.

على اثر هذا التنظيم تم طرد المخالطة بين الجنسين بغرض اللهو ودمجها في حقل الإنتاج، بحيث اصبح الماخور محلا للتنفيس ولكنه نشاط منتج خزانة الدولة.

 

طبعا تطورت مسألة تشكيل الجسد وتسليعه في السينما والاعلان، وبلغت مراحل رفيعة من تمثيل الانسجام والنسب مثلما نرى في بعض الصور المميزة في كتاب تاريخ الجمال وتحت عنوان أدونيس عاريا، حيث تلفت النظر ثلاث صور لممثلين مشهورين أولهم “جوني وايسمولر” الذي لعب دور طرزان في ثلاثينات القرن الماضي، الصورة الثانية لمارلون براندو الذي لعب دور مارك أنطونيو في فيلم يوليوس قيصر، والصورة الثالثة لأرنولد شوارزنيجر في لقطة من فيلم “كوماندو” سنة 1985..

ما هو جميل في عصر ما، يخضع للعوامل والملابسات السياسية الاقتصادية والاجتماعية السائدة وللثقافة عموما. فترة فيلم طرزان هي فترة الرومانسية وحلم العودة لحضن الطبيعة ضمن المفارقة التي صنعها الانسان بنفسه وفكرة التميز والسيادة المطلقة على الكون بما فيه من زرع وكائنات حية وموارد، في وقت يقول فيه العلم أن حمض الخلايا النووية للبشر يتطابق بنسبة 98% مع القرود (أرجو تصويبي إن كانت النسبة غير صحيحة).. ومع ذلك يظن المعجبون بطرزان وفكرة الفيلم بأننا سنقطع مسافة طويلة جدا كي نعود لحض القردة ونحن اقرب لها في الحقيقة من ناحية بيولوجية.

منذ وقت طرزان وحتى اللحظة، قطعت البشرية شوطا آخر في طمس معالم قرابتنا مع فصيلة القرود وأصبح متوسط الرجل العادي في المجتمعات الاوربية يحلق شعر صدره بعناية شديدة، لأن الصدر المشعر غير جميل.. أو قد يذكر الناس بفصيلة القرود..

واحدة من قمم هذه المرحلة موجة أفلام البطل الفرد صاحب الجسد المكتمل المتناسق الذي لا يقهر في أفلام رامبو “سيلفستر ستالون” وأرنولد شوازنيجر..

صورة شوارزنيجر التي استخدمها امبرتو ايكو في كتابه تظهر جسدا واضح السمرة ومفتول العضلات بشكل يكاد يكون غير طبيعي.. وهي فترة اليقين الاجتماعي والثقافي المرافق لسياسية الاستهلاك بأن الجسد يمكن صناعته باستخدام المكملات الغذائية وشراب البروتين والحقن، إضافة لممارسة التمارين بالطبع..

الحقبة القادمة التي ستشهدها البشرية يحدث فيها تضامن البايوتكنولوجي الآن مع الذكاء الصناعي ستضع من ضمن أهدافها، وتفترض أن الانسان االمستقبلي يمكن ترقيته إلى صنف يجعل الهوة أكثر بعدا من الانسان الحالي.. إنها فكرة الـ Upgrade الباهظة الثمن التي ستحدث حصرا للفئات الثرية التي تسعى للجمع بين الثروة والجمال والذكاء، والتي ستفرز نفسها رويدا رويدا من الشرائح البشرية الأخرى التي ستكون قد فقدت دورها في عملية الإنتاج والعمل في خضم الأتمتة المستمرة، وستصبح هذه الشريحة الخاسرة حسب الاستقراءات على المدى البعيد شريحة لا فائدة منها: Irrelevant

في خضم هذا التأمل وخلافا لمفارقة بداية هذه القصة، كان يفترض أن يكون الشاب السوداني هو سيد كشف النصف الأعلى من جسمه في الشوارع والأماكن العامة نسبة لحرارة الطقس. بحثت عن صور “أيكونية” للرجل السوداني عاريا، والناس عندنا يتعرون للعمل في حر الصيف القائظ أو لتلقي ضربات سياط البطان، أو في رياضة المصارعة التي يكون الكشف فيها عن العضلات جزء من الحرب النفسية لهزيمة الآخر.. وفيما خلا ذلك السوداني متواضع ويمشي على الأرض هونا..

ليس ذلك فحسب، في الحقبة الاستعمارية وما بعدها حتى بداية الستينات كان رجال الجيش والشرطة وضباط المجالس يلبسون “الشورت” المصنوع من قماش الكاكي، وهو اللبس الأمثل الذي يناسب حر الصيف عندنا.. ولكن وضمن مشروع “التحديث” الذي استهدف القوات النظامية تم ستر سيقان افراد هذه القوات بالبنطلون.. ونحن نتحدث هنا عن نصف اسفل.

كنت أبحث في الحقيقة عن صورة مشهورة للراحلين صلاح بن البادية والفاضل سعيد على البحر في فيلم “رحلة عيون” ولكني لم أعثر لها على أي أثر، حتى شككت في وجود مثل هذه الصورة من الأصل، ولكن عزائي أنني عثرت على صورة لصدور رجالية سودانية خالصة لمجموعة سباحين من ضمنهم سباحنا الأعظم في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينات: سلطان كيجاب الذي يظهر في الصورة بصحبة آخرين منهم خالد الطاهر ومحجوب عثمان دفع الله، بحسب المعلومات المتوفرة من مصدر الصورة، كما عثرت أيضا على صورة للفنان المتفرد الراحل صلاح بين البادية في لقطة بالأبيض والاسود من فيلم تاجوج

في الحلقة القادمة: فينوس عارية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!