
إسماعيل أحمد رحمه المحامى والمستشار القانونى الدولى
بعد إحتلال بريطانيا للسودان فى ١٨٩٩ عقب معركة كرري وأم دبيكرات نهاية سقوط الدولة المهديه فى السودان
تعرضت الحركة الوطنية السودانية لانتكاسة قوية بعد هزيمة حركة جمعية اللواء الابيض 1924بقيادة الضابط على عبداللطيف ورفاقه ولكنها بدأت تستجمع قواها تدريجيا ليشهد عام 1938 تأسيس مؤتمر الخريجين كممثل للخريجين فى رعاية شئونهم الاجتماعيه والثقافيه والادبيه وإقامت المسرحيات والليالي الفنيه ورغم بداية الحركة الوطنية علمانية الطابع إلا أن القيادات التقليدية الطائفية سرعان ما نجحت في استقطاب الخريجين وتوفير حمايه لهم. فكون إسماعيل الأزهري حزب مركزي نخبوي (الأشقاء ) المرتبط بالختمية مناديا بالوحدة مع مصر في 1943وفى نفس العام أسس السيد عبد الرحمن المهدى حزب الأمة المرتبط بطائفة الأنصار الذي عارض الوحده مع مصر وطالب بالسودان المستقل عن مصر (ورفع شعار السودان للسودانيين ) فمنذ البدايه إتضحت صورة الولاء الى مصر من مجموعه حزبيه نخبويه لايمكن ان نطلق عليها رواد الحركه الوطنيه بينما تمسكت مجموعه اخرى بشعار السودان للسودانيين ضد فكرة التبعيه إلى دولة مصر .
فى عام 1945 تمكن حزب الأشقاء مجموعة الافنديه أولاد الختمية من الفوز بإنتخابات مؤتمر الخريجين بدعم وتمويل مصري وهذا كانت أول طعنه نجلاء قاتله فى صدر الوطنيه والسيادة السودانيه بتدخل دوله أجنبيه خارجيه ولذلك انسحب حزب الأمة مجموعة الأنصار المؤتمر وأصبح مجرد واجهه ودعايه لدوله أخرى وينادي بالوحدة معها ولكن حتى لايتم محاكمتهم بالخيانه الوطنيه تم دمج مؤتمر الخريجين وحزب الاشقاء في الحزب الوطني الاتحادي الذي أسسه إسماعيل الأزهري بالتحالف مع الختمية عام 1952.
هذه المقدمه التاريخيه تقودنا الى معرفه أهمية تكوين الاحزاب السياسيه ودورها الوظيفي الوطنى هو مايمكن الإشارة إليه فى عدة نقاط رئيسيه مهمه تشكل العمل الواجب القيام به هذه هذه الاحزاب فهى تقوم بالوظيفه التمثيليه والانتخابيه وخوض الانتخابات من خلال طرح ممثلين لها فى هذه الانتخابات
وكذلك تقوم هذه الاحزاب السياسيه ببناء الإئتلافات لضمان تشكيل الحكومات واستقرار السلطه ونجاح تنفيذ الاجندة القوميه والوطنيه .
كما نجد أنها تقوم بواجب المسئوليه حول التعبئه والاستنفار السياسي والجماهيري فى خروج الشارع الجماهيري فى الثورات والانتخابات والندوات من اجل سيادة الشعب والديمقراطية وحماية الحقوق .
وأيضاء يقع على عاتقها أى الاحزاب رسم السياسات العامه للدولة والمجتمع ووضع الخطط والبرامج والتخطيط الاستراتيجي حول القضايا الاقتصاديه والاجتماعيه والسياسيه وتقديم الحلول للمشكلات والأزمات ووضع الميزانيه العامه والاعتمادات والقروض والاتفاقيات الدوليه
كما أنها تشارك فى تكوين البرلمان الذى يلعب دور المشرع للقوانين والرقابه على أداء الجهاز التنفيذي واجازة الميزانيه والسياسات المالية العامه والاعتمادات ورعاية المصالح العامه ومصلحة الشعب والدولة
ومن خلال عملها السياسي والتنظيمى تقوم بتوفير فرص التدريب والتأهيل للقيادات الشبابيه وقادة المجتمع وخلق الكوادر البديله للقيادة وصناعة جيل للمستقبل وتحمل المسؤولية
كما ان هذه الاحزاب تعمل على نشر الوعى وسط الجماهير واقامة الورش والندوات والدعايه والنشر وتوفير المعلومات حول الاهداف والبرامج الحزبيه والسياسه العامه للدولة والحكم والسلطه وتغليب المصلحه الوطنيه العليا
وتعمل على احترام حقوق الاقليه والمعارضه ومحاربة الاستبداد وترسيخ مفاهيم وقيم الديمقراطيه واحترام حقوق الإنسان والمواطنه واحترام الاخر والاعتراف به والتنوع الثقافى والديني
ومن باب المسئوليه تقوم بواجب تحديد اخطاء الحكومة وتقصيرها وتقديم بدائل سياسيه لتصحيح هذه الاخطاء من خلال آليه ديمقراطيه للمساءله والمحاسبه وضمان تحقيق حماية المصلحه العامه
وتبذل جهدا فى العمل على توفير مناخ الاستقرار السياسي داخل الدوله وذلك من خلال تحويل الصراعات الاجتماعيه الى صراعات سلميه داخل مؤسسات الديمقراطيه بغرض ايجاد حلول للمشكلات قبل ان تتحول الى ازمات تضرب الأمن والاستقرار والطمأنينة والوئام الاجتماعى السلمى فى مقتل وتنتشر الفتنه والخلافات والحروب
وتتوافق الاحزاب السياسيه على العمل فى تأسيس حكومات مستقرة سياسيا من خلال التنافس الحزبي الانتخابي الديمقراطى وخلق التمثيل المستقر للحقائب الوزاريه وتتحمل مسئولية تنفيذ خططها وبرامجها وعلاج الاخطاء والتقصير الاداري وهذا العلاج والتوافق يخلق الاستقرار السياسي والحكومى مع ديمومة الأمن والاستقرار والطمأنينة والوئام الاجتماعى السلمى فى الدوله
وعلى الرغم من هذه الادوار الوظيفيه القوميه والوطنيه للاحزاب السياسيه إلا أنها لاتخلو من عيوب تنتقد تجربتها السياسيه وأن من أبرز عيوب الأحزاب المركزيه
تتمثل فى غياب الشفافيه و الديمقراطية والقيادة تكون فيها ديناصوريه
ويبرز عيب آخر وهو فقدان الثقه لدى الجماهير والشباب (الحزب يكون دائرة مغلقه لأفراد معينين )
ونلاحظ أيضاء عيب يستجد فى عزل القيادة عن الشارع وشعاراته وهموم الجماهير مما يزيد (زيادة الغبن والتهميش والاقصاء للقواعد والشباب )
وهذه التصرفات تبرز عيب إغلاق أبواب الفرص الديمقراطيه لتصعيد الشباب من خلالى(غياب الآليات الديمقراطيه التى تمنع الشباب من الوصول للقيادة )
وهنالك عيب يكمن فى عدم القدرة على تنفيذ المشروعات والبرامج من خلال عملية (صعوبة التنفيذ لبعض الخطط والبرامج على أرض الواقع )
ومن أشهر العيوب هو الطريقه السلحفائيه فى إتخاذ وتنفيذ القرارات والبيروقراطيه بسبب (عدم مواكبة المتغيرات الجديدة على ارض الواقع )
وأكثر العيوب خطوره وهو كثرة الخلاقات والانشقاقات الحزبيه مما يقود الى (ديكتاتورية القيادة وبعض الافراد وتنامي نفوذ بعض المجموعات وغياب المعارضه الديمقراطيه )
ومن كل هذه العيوب يظهر عيب الإنهيار وضعف التماسك اذا إستمرت حالة الركود السياسي وغياب الانشطه بسبب ( غياب القائد وسيطرة نفوذ الأفراد وغياب الممارسه الديمقراطية)
وكذلك يبرز عيب اخر وهو عدم التواصل مع المجتمعات المحليه مما يجعل الحزب يتحوصل فى نطاق محدود غالبا يكون مركزي مما يجعل (المركزيه تخلق فجوة فى التواصل مع القواعد المحليه )
وهذه المركزيه المتحوصله تأتى معها ظاهرة الولاء المطلق حول دائرة القيادة والفرد فتصبح (الاحزاب المركزيه بوتقه يتولد فيها فرض الولاء المطلق للفرد والزعيم )
وبالاشارة الى ماذكرناه من عيوب مشار إليها فى صدر المقال تاتي قكرة الدعوه الى تأسيس أحزاب مناطقيه تهدف الى تكوين هويه سياسيه جغرافيه منافسه للاحزاب المركزيه ذات العيوب المتوارثه وتأتى أسباب ودوافع تكوين أحزاب سياسيه مناطقيه من منظور نظرية حماية الحقوق والدفاع عن الحقوق وتطوير المجتمعات المحليه أفقيا فى تجربة الحوكمة والتنميه المستدامه والامن والاستقرار حيث ان فكرة تأسيس أحزاب مناطقيه
تقوم على فكرة الدفاع عن المظالم والحقوق التاريخيه لكيانات اجتماعيه سياسيه لها مصالح فيما بينها على نطاق جغرافى يحتاج الى اهتمام من اصحاب المصلحه والشأن
والدافع الآخر هو أيضاء أن هذه الاحزاب المناطقيه تقوم نتيجة رد فعل طبيعى للاهتمام بقضايا جوهريه فشلت الاحزاب المركزيه فى تصدير حلول لها بعيدا عن التنافس حول كراسي السلطه والحكم وعدم الاهتمام بمطلوبات التنميه والخدمات الأساسيه فقط ينحصر إهتمام الاحزاب المركزيه حول استغلال المجتمعات المحليه ومحاولة كسب أصوات إنتخابيه تمكنهم من الجلوس في كراسي السلطه والحكم.
ولكن لابد من شرح طريقة أو
كيفية تكوين احزاب مناطقيه وهذه الطريقه أو الكيفيه تأخذ مسارين أيهما أفضل لتحقيق الهدف منها وعليه نرى ان المسار الاول هو يمكن تكوين هذه الاحزاب المناطقيه من خلال تكتلات نيابيه داخل البرلمان كتحالفات ذكيه تخدم مصالح مشتركه بين مكونات المجتمعات المحليه بعيدا عن التنافس حول السلطه والحكم
أما المسار الثانى هو يمكن أن تتكون فى شكل أحزاب صغيره تسيطر على الأصوات الانتخابيه فى مناطق المكونات الاجتماعيه المحليه فى كل الدوائر الجغرافيه مما يجبر الاحزاب المركزيه أن تتحالف معها بغرض تشكيل حكومة الاغلبيه أو مايعرف ب (kingmaker) وهنا تبرز أهمية مصالح المجتمعات المحليه(فى مجال التنميه والخدمات الاساسيه ) كفاتورة واجبة السداد
ولكن فى المقابل لابد من طرح السؤال الوارد من جهة الاحزاب المركزيه وهو هل هنالك أهمية لتكوين الاحزاب المناطقيه الجغرافيه؟ الاجابه بالتاكيد وبكل قوة نؤكد ان هنالك أهميه وضرورة قوى لتكوين الاحزاب المناطقيه كتجربه جديده لتكوين الهويه الجغرافيه السياسيه لخدمة المجتمعات المحليه
وتكمن أهميتها فى تطوير الديمقراطيه وزيادة المشاركه السياسيه التنافسيه وصناعة بيوت خبره لقطاعات المجتمع المحلى فى مجال الشباب والمراة والطلاب والكفاءات المؤهله وتعمل على فتح الخيارات أمام الناخبين حول أهمية المصلحه المحليه فى مجال التنمية والخدمات الأساسيه ودعم من هم يقدمون خدمة المنطقه وليس من هم يسعون الى كراسي السلطه والحكم كنخب مركزيه وتأتى أهمية الاحزاب المناطقيه فى أنها تشكل تحدي أمام الاحزاب المركزيه لأنها قوة مجتمعيه سياسيه جديدة تسعى الى سد العجز والنقص القائم من خلال فشل الاحزاب المركزيه وتستطيع ان تفرض نفسها البديل الافضل لأهل المصلحه
كما أن أهميتها تبرز من خلال أنها تلعب دور قوي فى عملية توازن القوة والقوى السياسيه وتعمل على حماية اهل المصلحه بعيدا عن التنافس حول السلطه والحكم
ولكن رغم هذه التبريرات تبرز بعض التحديات التى تواجه الاحزاب المناطقيه وتتمثل هذه التحديات فى ان بعض من هذه الاحزاب المناطقيه من المحتمل أن تواجه تحدي تشكيل الحكومة فى حالة فشل الاحزاب المركزيه بالفوز بالاغلبيه او فى حالة هروب الاحزاب المركزيه من الوفاء بتسديد فاتورة التحالفات الذكيه مع الاحزاب المناطقيه
كما يعاب عليها أنها تتمسك بفاتورة أجندة أهل المصلحة مما يجعلها أقل تفاعل مع الأجندة الوطنيه أو القوميه .
ولكن بالرغم من هذه التحديات القليله جدا والمقدور عليها مقابل العيوب المشار الجوهريه التى تعطل مسيرة نجاح الاحزاب المركزيه النخبويه فإن الأخذ بفكرة تكوين احزاب مناطقيه جغرافيه لخدمة المجتمعات المحليه كبيوت خبره سياسيه وتنفيذيه وتشريعيه وآليات لتطوير التنميه والخدمات الأساسيه وبسط الأمن والاستقرار والطمأنينة والوئام الاجتماعى السلمى بين جميع مكونات المجتمعات المحليه باتت الفكرة واجبة الاخذ بها والعمل على تنفيذها كتجربه سياسيه جديده لتوطين الديمقراطيه والسلام والتنمية المستدامة وإشراك المجتمعات المحليه فى السلطه والحكم واتخاذ القرار فى ظل نظام فيدرالى دستوري توافقى .
8يناير2026م




