
منال علي محمود
manal002002@gmail.com
ما يجري اليوم في السودان لا يمكن فهمه بوصفه فوضى حرب أو انهيار دولة فقط، بل يجب قراءته كمشروع سياسي مكتمل الأركان، عنوانه الحقيقي تفكيك السودان لضمان بقاء سلطة مفلسة، سلطة لا تملك شرعية، ولا مشروع دولة، ولا حتى قدرة على إدارة ما تبقى من حياة الناس، فاختارت أقصر الطرق تقسيم البلاد مرة أخرى.
حكومة بورتسودان، والبرهان، ومن يقف خلفهم من الإسلامويين، لا يدافعون عن وحدة السودان كما يزعمون، بل يديرون نسخة انفصالية ناعمة، تبدأ بالغرب كما بدأ الجنوب من قبل. الأسلوب هو نفسه، فقط اللغة تغيّرت.
من الحرب إلى التفكيك كيف تُصنع الانفصالات؟
عندما تعجز السلطة عن الحكم، تبدأ في إعادة تعريف الدولة. لا تعود الدولة وطناً جامعاً، بل مساحة يمكن التحكم فيها، تقليصها، أو التخلي عن أطرافها متى ما أصبحت عبئاً سياسياً.
الغرب اليوم يُقدَّم في الخطاب غير المعلن كعبء أمني، عبء إنساني، عبء سياسي، عبء تفاوضي، ثم يُترك بلا حماية، بلا غذاء، بلا دواء، بلا صوت، وفي النهاية يُقال الواقع فرض نفسه.
وهكذا تُصنع الانفصالات، لا بالاستفتاءات، بل بالخذلان المتعمّد.
أمثلة تطبق كأدوات تمهيد للانفصال.
ما يُمارَس اليوم من منع للسلع الأساسية، وعرقلة متعمّدة للإغاثة، وإحياء لقانون الوجوه الغريبة، لا يمكن التعامل معه كإجراءات أمنية منفصلة، بل كحزمة سياسات تهدف إلى فك الارتباط التدريجي بين الدولة ومواطنيها في الغرب.
منع السلع لا يعني فقط تجويع السكان، بل سحب أحد أهم خيوط الدولة قدرتها على توفير الضروريات. عندما تفشل السلطة عمداً في تأمين الغذاء والدواء، تُرسِّخ في وعي المواطن فكرة واحدة هذه الدولة لا تعنيني. وهنا يبدأ أخطر أنواع الانفصال الانفصال النفسي قبل الجغرافي.
الأمر ذاته ينطبق على عرقلة الإغاثة وتحول العمل الإنساني إلى أداة ابتزاز سياسي، تُبعث رسالة واضحة بأن الحياة نفسها مشروطة. الإغاثة عندما تُمنع أو تُسيّس، لا تقتل الجسد فقط، بل تقطع آخر صلة أخلاقية بين المواطن والدولة. دولة تمنع الإغاثة عن شعبها، هي عملياً تعلن انسحابها من مسؤولياتها، وتترك فراغاً سيادياً ممهداً للتفكك.
أما قانون الوجوه الغريبة، فهو الأخطر، لأنه لا يستهدف الجوع أو الدواء، بل الانتماء ذاته.
إعادة إنتاج هذا القانون تعني إعادة تعريف من هو السوداني، ومن يحق له الوجود في مدن بلاده. فحين يصبح المواطن غريباً في وطنه، تُزرَع أول لبنة في جدار الانفصال. هذا القانون لا يحمي الأمن، بل يعيد رسم الحدود الاجتماعية تمهيداً لحدود سياسية لاحقة.
هذه السياسات لا تقول صراحة سنفصل الغرب، لكنها تقول عملياً هذا الإقليم خارج العقد، خارج الرعاية، وخارج الخيال السياسي للدولة.
نفس السيناريو جنوب جديد ولكن بلا اعتراف.
ما تفعله سلطة بورتسودان ليس بعيداً عما حدث قبل انفصال الجنوب. شيطنة الإقليم، تحميله مسؤولية الحرب، عزله عن القرار، ثم تقديم الانفصال كحل عملي.
الفرق الوحيد أن الانفصال هذه المرة لا يُعلَن رسمياً، بل يُدار كأمر واقع.
سلطة مركزية بلا مسؤولية، أقاليم تُترك للموت، وحدود داخلية غير مرئية.
وهنا يتجسد معني الاختيار السياسي.
الكذبة الكبرى من يملك حق تقرير مصير البلاد؟
لا دستور، لا برلمان، لا تفويض شعبي، لا انتخابات، ومع ذلك تتصرف سلطة بورتسودان وكأنها تملك حق إعادة رسم التضاريس، تحديد من ينتمي للدولة، ومن يُستغنى عنه.
وهنا يجب أن يكون الكلام واضحاً لا توجد سلطة انتقالية في السودان تملك حق تقرير مصير أي إقليم. وحدة البلاد ليست بنداً إدارياً، بل حق جماعي لا يُمس. أي حديث عن إعادة تنظيم الدولة أو حلول واقعية في ظل سلطة الأمر الواقع هو تزوير سياسي مكتمل الأركان.
لماذا الغرب أولاً؟
لأن الغرب بعيد عن المركز، منهك بالحرب، مثقل بالمآسي، سهل العزل إعلامياً، ولأن التضحية به لا تُكلّف السلطة شيئاً، بل تمنحها دولة أصغر، خصوماً أقل، سيطرة أسهل، وتفاوضاً أقل تعقيداً.
هكذا يفكر السنافر لا كدولة، بل كعصابة نجاة.
سحب بساط الريح كيف تُواجه الخطة؟
المجابهة تبدأ بتفكيك الرواية الرسمية. منع السلع ليس إجراءً سيادياً، بل عقوبة جماعية. عرقلة الإغاثة ليست شأناً أمنياً، بل جريمة سياسية. وقانون الوجوه الغريبة ليس تنظيماً، بل تشريع إقصائي يضرب وحدة المجتمع والدولة معاً.
سياسياً، يجب ربط هذه الممارسات صراحة بمشروع التفكيك، وعدم التعامل معها كأخطاء إدارة أو تجاوزات فردية.
قانونياً، توثيقها باعتبارها تهديداً لوحدة الأراضي، لا مجرد انتهاكات معزولة.
إعلامياً، كشف الترابط بين هذه الإجراءات والنتيجة النهائية المتوقعة. ومجتمعياً، منع تطبيع الإقصاء، لأن كل إجراء يُقبل اليوم بصمت، يتحول غداً إلى حدٍّ نهائي.
مساءلة مباشرة للمنظمات….
ما يجري اليوم في السودان، من منع متعمد للسلع، وتسييس الإغاثة، وتشريعات إقصائية تمس جوهر المواطنة، لا يمكن أن يمر دون مساءلة من الجهات التي ترفع شعار حماية الاستقرار ووحدة الدول. @AfricanUnion و @AUPeaceAndSecurityCouncil و @IGADsecretariat و @UN و @UN_HRC و @WFP يقفون اليوم أمام اختبار حقيقي، ليس في إصدار بيانات القلق، بل في تحديد موقف واضح من سياسات تمهّد عملياً لتفكيك دولة قائمة.
الصمت على منع الغذاء، أو تعطيل الإغاثة، أو شرعنة الإقصاء عبر قوانين مثل قانون الوجوه الغريبة، لا يعني الحياد، بل يعني القبول التدريجي بمسار انفصالي يُدار بالأدوات الإدارية لا بالإعلانات السياسية. وحدة السودان لا تُهدَّد بالخطابات، بل تُقوَّض بالأفعال التي يُغضّ الطرف عنها.
كلمة أخيرة للسنافر تحديداً
الانفصال لا يبدأ بإعلان سياسي، بل بمنع سلعة، ثم منع إغاثة، ثم نزع صفة المواطنة، ثم الادعاء بأن الواقع فرض نفسه.
ومن يظن أن فصل الغرب سيمنحه دولة مستقرة، واهم. الدول لا تُنقذ بتقليصها، ولا تُحكم بإفراغها من شعبها، ولا تُبنى على جثث الأقاليم.
وما لم يُسحب بساط الريح اليوم من تحت أقدام هذا المشروع، سيكتشف الجميع غداً أنهم يقفون فوق أرض لا دولة لها.




