
عماد أبكر جدو
بعد أربعة وثلاثين عاماً على إعلان انفصالها من جانب واحد، جاء الاعتراف الإسرائيلي بـ«دولة أرض الصومال» ليشكل محطة سياسية فارقة في معادلات القرن الإفريقي، وليبعث برسائل إقليمية تتجاوز حدود الجغرافيا الصومالية. فقد أُعلن الموقف الإسرائيلي في الأيام الأخيرة من عام 2025، في توقيت بالغ الحساسية، يعكس تحولات أعمق في موازين القوة والنفوذ داخل واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً وتشابكاً في المصالح.
خلال العقود الماضية، استطاعت أرض الصومال ترسيخ واقع سياسي شبه دولتي، تمثل في امتلاكها عملة وطنية، وأجهزة أمنية وإدارية مستقلة، ومظاهر سيادة داخلية مستقرة نسبياً مقارنة ببقية الأراضي الصومالية. كما نسجت علاقات غير مباشرة مع عدد من الدول، أبرزها الإمارات وبريطانيا والنرويج، إلى جانب تركيا التي افتتحت قنصلية في هرجيسا، رغم اعتراضها لاحقاً على الاعتراف الإسرائيلي، أسوة بمصر وجيبوتي.
ولا يمكن فهم هذا الاعتراف الإسرائيلي بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع ملفات الصراع على البحر الأحمر، والسعي لاحتواء النفوذ الإيراني، ومحاولات إثيوبيا المزمنة لكسر عزلتها الجغرافية عبر الحصول على منفذ بحري. في هذا المشهد المعقد، بدا الدور المصري – وفق مراقبين – أقرب إلى مقاربة أمنية متشددة، افتقرت إلى رؤية استراتيجية شاملة، وهو ما تجلى في إرسال قوات مصرية إلى الصومال، الأمر الذي ساهم في تأجيج التوترات بدلاً من احتوائها.
لطالما قدمت القاهرة نفسها لاعباً محورياً في القرن الإفريقي، معتمدة على خطاب سياسي وإعلامي صاخب، ودعم من بعض دول الخليج، إضافة إلى رهانات على تحالفات تقليدية داخل السودان وإفريقيا. غير أن التجربة العملية أظهرت محدودية هذا الدور، في ظل غياب أدوات اقتصادية أو تكنولوجية قادرة على ترجمة الطموحات إلى نفوذ فعلي ومستدام على الأرض.
وفي هذا الإطار، يُقرأ الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بوصفه رسالة سياسية غير مباشرة تكشف أزمة الدبلوماسية المصرية التقليدية، التي ما زالت أسيرة منطق الهيمنة والوصاية. ويزداد هذا المأزق تعقيداً مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل مصر، وهو ما قلّص هامش الحركة الخارجية، وأضعف القدرة على التأثير الإقليمي.
أما السودان، فيمثل أحد أكثر الملفات دلالة على إخفاق السياسة الإقليمية المصرية. فقد ساندت القاهرة، لسنوات، نخباً عسكرية سودانية، وأسهمت في إجهاض التحولات الديمقراطية، وصولاً إلى دعم انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان على الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك. كما ارتبط هذا النهج برفض مصر لاتفاقية عنتبي، التي تسعى إلى توزيع عادل لمياه النيل بين دول الحوض، بما يعكس تمسكاً بمقاربات تاريخية لم تعد قابلة للاستمرار.
إن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يتجاوز رمزيته السياسية، ليطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الإقليم. فالعالم لم يعد يحتمل سياسات التدخل والتخويف باسم الأمن القومي، بل بات تحكمه شراكات المصالح والواقعية السياسية. وإذا كان شعب أرض الصومال قد اختار، بإرادته، مسار الاستقلال، فإن بيانات الشجب وحدها لن تغيّر من حقائق الجغرافيا ولا من اتجاهات التاريخ.




