المسؤولية التاريخية والأخلاقية في خطاب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي؛ عندما يتم استخدام المؤسسات الأممية لتسويق الباطل
د. مجدي شريف الخبير الأمني والاستراتيجي

د. مجدي شريف الخبير الأمني والاستراتيجي
يأتي خطاب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي في لحظة تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والشرعية الدولية بحقائق الميدان، ليكشف بوضوحٍ لافت كيف يمكن أن تتحوّل المؤسسات الأممية—إذا أُسيء توظيفها—من منصّات لحفظ السلم إلى أدوات لتسويق روايات زائفة تُطيل أمد الحروب. من هذه الزاوية، لا يُقرأ الخطاب بوصفه موقفًا سياسيًا فحسب، بل تشخيصًا استراتيجيًا لمعادلة استدامة الحرب في السودان، وتحميلًا صريحًا للمجتمع الدولي لمسؤولياته التاريخية والأخلاقية والقانونية.
أول ما يلفت في الخطاب هو تفكيكه لمنطق “إدارة الصراع” الذي استقرّ في مقاربات دولية وإقليمية عديدة. هذا المنطق، كما أشار التعايشي، لا يسعى إلى إنهاء الحرب بقدر ما يعمل على احتوائها وتدويرها، عبر مساواةٍ مُضلِّلة بين الضحية والجاني، وتقديم مبادرات شكلية تُمنح غطاءً أمميًا دون اختبار جدي لصدقيتها أو قابليتها للتنفيذ. هنا تتجلّى خطورة استخدام المنابر الدولية لتلميع مشاريع سياسية فقدت صلاحيتها الواقعية والأخلاقية.
من منظور أمني، وضع الخطاب الإصبع على العوامل البنيوية لاستدامة الحرب: شبكات مصالح عابرة للحدود، اقتصاد حرب متجذّر، وخطاب سياسي يراكم الغموض بدل أن يحسم الخيارات. إن استمرار هذه العوامل، مع غياب ضغط دولي حاسم، لا يهدد السودان وحده، بل يفتح المجال أمام تمدّد عدم الاستقرار إقليميًا—من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي—بما يحوّل النزاع إلى تهديد مباشر للأمن والسلم الدوليين.
وفي هذا السياق، حمّل الخطاب المجتمع الدولي—وفي مقدمته الرباعية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر)—مسؤولية مضاعفة. فهذه الأطراف، بحكم ثقلها السياسي وقدرتها على التأثير، لا يُعفيها الحياد الإجرائي من تبعات النتائج. إن الاكتفاء بإدارة التوازنات، أو ترك المبادرات غير الواقعية تمرّ عبر القنوات الأممية، يعني عمليًا الإسهام في إدامة الصراع، ولو بحسن نية مُعلنة.
كما وسّع الخطاب دائرة المسؤولية لتشمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مطالبًا بانتقال واضح من لغة الصمت إلى آليات ضغط مُنسّقة تُجبر الطرف الرافض للحوار على الالتزام بمسار سلام قابل للتحقق. فالمجلس، وفق قواعد القانون الدولي، لا يملك رفاهية الانتظار حين تتوافر مؤشرات تهديد السلم والأمن الدوليين. والتباطؤ هنا لا يُقرأ كحذر دبلوماسي، بل كفشل أخلاقي وقانوني.
ولم يغفل الخطاب دور الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد، بوصفهما الإطارين الأقرب جغرافيًا والأعرف بتعقيدات السياق السوداني. إذ إن ازدواجية المبادرات، وتضارب الرسائل، أضعفت الموقف الإقليمي، وفتحت ثغرات استغلتها أطراف تسعى لإطالة أمد الحرب. المطلوب—كما يفهم من الخطاب—هو توحيد الجهود خلف مسار واحد، واضح المعايير، مرتبط بجداول زمنية وآليات مساءلة.
الأخطر في تشخيص التعايشي أنه كشف الانزلاق الأخلاقي حين تُستخدم المؤسسات الأممية لتسويق “الباطل السياسي” تحت لافتة الشرعية. فحين تُمنح المنابر لمن لا يملكون مشروع سلام حقيقي، تُصاب العدالة الدولية بالوهن، ويُفقد الضحايا صوتهم. هنا يصبح الصمت الدولي شريكًا غير مباشر في المعاناة.
وفي المقابل، لم يكتفِ الخطاب بالنقد، بل قدّم خيارًا عمليًا: الاستعداد لهدنة تعقبها مفاوضات جادة، ضمن إطار دولي ضاغط ومتماسك. هذه المقاربة تُعيد تعريف الواقعية السياسية؛ فهي لا تساوم على المبادئ، لكنها تُدرك أن الأمن لا يُبنى إلا عبر مسار سياسي واضح، تُحترم فيه إرادة الشعوب قبل حسابات النفوذ.
خلاصة القول، إن خطاب رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي أعاد ترتيب سلّم المسؤوليات، ووضع المجتمع الدولي أمام امتحان تاريخي: إمّا أن ينتصر لوظيفته الأخلاقية والقانونية في حفظ السلم، أو أن يستمر—عن قصد أو تقصير—في توظيف المؤسسات الأممية لتسويق روايات تُبقي الحرب حيّة. وفي الحالة السودانية، لم يعد هذا الخيار نظريًا؛ فانتشار النزاع بات تهديدًا إقليميًا ودوليًا، وتأجيل الحسم لم يعد سياسة، بل مخاطرة جسيمة بعواقب تتجاوز حدود السودان.




