خطاب شرق السودان؛ في رحلتي إلى بورتسودان شاهدت الفقر يمشي على قدمين
فاطمة الزين الغالي..كاليفورنيا

دكتورة فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا
لم يكن خطاب قائد قوات تحرير شرق السودان، الزعيم إبراهيم عبدالله (دنيا)، حدثًا سياسيًا عابرًا بالنسبة لي، بل كان شرارة أعادت إلى ذاكرتي رحلة إنسانية قاسية عشت تفاصيلها قبل أكثر من عقدين. فبين الكلمات التي دعا فيها الرجل إلى السلام ورفض الحرب والهيمنة والعنصرية، وبين مشاهد الفقر والتهميش التي ما زالت تطارد شرق السودان، انفتحت في ذهني مسافة طويلة من الأسئلة المؤلمة حول الدولة، والعدالة، ومعنى الوطن.
في مارس من العام 2001، قطعتُ طريقًا طويلًا من مدينة الأبيض إلى بورتسودان لأداء واجب العزاء في وفاة والد صديقتي العزيزة فاطمة أوشيك. كانت الرحلة، يومها، أشبه بمسار مكشوف للفقر البنيوي الذي يسكن أطراف السودان. فمنذ مغادرتنا الأبيض، الى مدني ومرورا بالقضارف، ثم كسلا، وهيّا، وصولًا إلى بورتسودان، لم يكن الفقر حالة عابرة، بل كان كائنًا حيًا “يمشي على قدمين”، يتجسد في الوجوه، والملابس، والبيوت، والطرقات، وفي نظرات الأطفال والنساء والرجال على جانبي الطريق.
رأيت قرى بلا مدارس حقيقية، ومراكز صحية تكاد تخلو من معنى الصحة، ونساء يقطعن مسافات طويلة بحثًا عن ماء صالح للشرب. رأيت بشرًا يملكون الكرامة والصبر، لكنهم حُرموا من أبسط حقوقهم في التعليم والعلاج والمياه النقية. وكان السؤال الذي ظل يلاحقني طوال الطريق: كيف يحدث كل هذا في إقليم ظللنا نسمع عنه – منذ زمن بعيد – أنه من أغنى أقاليم السودان بالموارد الطبيعية والبشرية؟
ذلك التناقض الصارخ بين الغنى والفقر، بين الإمكانات والواقع، عاد إليّ بقوة وأنا أستمع مؤخرًا إلى خطاب الزعيم إبراهيم عبدالله (دنيا). فقد وجدتُ في كلماته صدىً صادقًا لتلك المشاهد القديمة، وكأن شيئًا لم يتغير جذريًا، سوى أن الوعي اليوم أصبح أكثر جرأة في تسمية الأشياء بأسمائها.
عندما أعلن القائد (دنيا) أن شرق السودان ليس جزءًا من الحرب الدائرة ولن يكون وقودًا لها، شعرتُ أن هذا الموقف لا ينبع فقط من حسابات سياسية، بل من إدراك عميق بأن إنسان الشرق دفع ما يكفي من أثمان الإهمال، ولا يحتمل أن يُستنزف مرة أخرى في حرب لا تعنيه. فالإقليم الذي رأيت فقره بأم عيني، لا يمكن أن يتحمل مزيدًا من الدمار، ولا مزيدًا من الشعارات الزائفة باسم الوطنية أو الأمن.
كما أن دعوته الواضحة إلى وقف الحرب والمصالحة الوطنية الشاملة جاءت، في تقديري، في لحظة مفصلية. نعم، ربما تأخرت كثيرًا، لكن قيمتها اليوم مضاعفة؛ لأنها تصدر من الهامش الذي اعتاد المركز أن يتحدث باسمه أو يختصره في أرقام وخرائط. إن مطالبة شرق السودان بالسلام ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لإنسان أنهكته عقود التهميش.
الأكثر لفتًا للانتباه في الخطاب، بالنسبة لي، هو رفضه الصريح لنظرية “النهر والبحر” بوصفها طرحًا عنصريًا إقصائيًا. هذه النظرية، التي أسست لاحتكار السلطة والثروة، هي ذاتها التي جعلتني قبل سنوات أشاهد الفقر يتمدد على طول الطريق إلى بورتسودان، بينما تُدار موارد الشرق من بعيد، دون أن ينعكس خيرها على أهله.
إن حديث القائد (دنيا) عن وحدة السودان على أسس جديدة أعاد تعريف معنى الوحدة في ذهني. فالوحدة التي رأيت نتائجها على الأرض، خلال رحلتي، لم تكن وحدة عدالة، بل وحدة تهميش. أما الوحدة التي يدعو إليها اليوم شرق السودان، فهي وحدة تعترف بالتنوع، وتكسر مركزية القرار، وتربط بين الموارد والتنمية، لا بين الموارد والنهب.
وحين تحدّث عن ثروات الشرق – من الموانئ إلى الغاز والذهب – مقرونة بمعاناة الإنسان، تذكّرتُ تلك المفارقة المؤلمة التي رافقتني طوال الطريق قبل أكثر من عشرين عامًا. لا شيء يلخص أزمة السودان أكثر من أقاليم غنية، وشعوب فقيرة، ودولة عاجزة عن تحويل الثروة إلى حياة كريمة.
من هذا المنطلق، أرى أن خطاب شرق السودان اليوم ليس مجرد موقف سياسي آني، بل شهادة تاريخية على فشل الدولة القديمة، ودعوة صريحة لبناء دولة جديدة. دولة يكون فيها السلام أساس الأمن، والعدالة شرط الوحدة، والتنمية حقًا لا منّة.
لقد شاهدتُ الفقر يمشي على قدمين في طريقي إلى بورتسودان، وما زال يمشي حتى اليوم. لكن الفرق أن صوت الشرق أصبح أعلى، وأكثر وعيًا، وأكثر إصرارًا على كسر دائرة الحرب والتهميش. ولهذا، فإن دعوة الزعيم إبراهيم عبدالله (دنيا) للسلام والمصالحة الوطنية ليست فقط مطلبًا سياسيًا مشروعًا، بل صرخة إنسانية جاءت في موعدها… وإن تأخرت كثيرًا.




