
سيف الدين صالح هارون (١-٣)
وهكذا كل يوم تضيق دائرة الحصار علي حكومة الامر الواقع بمنفاها ببورتسودان التي اختارت بمحض ارادتها الإنحراف عن جادة الطريق . وعندما كنا مرارا ننبه الي أن هذه الحرب العبثية ستكون وجهتها النهائية هي سواحل البحر الأحمر بشرق السودان ؛ لم يكن ذلك محض افتراء أو أننا أهل نبؤة او كهنة وعرافين او قارئى كفوف نتنبأ بما تخفيه خبايا هذا الزمان من أحداث تغير من وجهة ومستقبل بلد تتنازعه أقدار فئة ضلال جعلت من ظروف اهلها مطية للتحكم في مصائرهم ومعاشهم وأحقيتهم في تقرير مصائرهم التي تمكنهم من العيش مع الآخرين بعزة تحفظ لهم كرامتهم الإنسانية مع الآخرين . فالشرق بكل تاريخه الممتد لآلاف السنين يحكي عن قصة ممالك لشعوب البجا علي رأسها (مملكة البلو ) ذات الأبعاد الاجتماعية بممالك سودانية عريقة كالفونج وعلوةً وسوبا ومروي المتصلة بحضارة (كوش ) الشمالية ذات الامتدادات الملوكية بسلطنات التنجور والداجو والفور والمساليت غربا بدولة دارفور القديمة قبل بزوغ شمس السودان بعيد فترةً الاستعمار الحديث ١٩١٧ والتي جميعها تشكل لحمة السودان التي لا يمكن مجرد التفكير في غرس خنجر مسموم علي خاصرته من قبل معاتيه من قصيري النظر الذين يسبحون في بحور الوهم العنصري الانفصالي حفاظا علي مكتسبات مادية بخثة وفرها لهم احتكار مقاليد سلطة زائفة توارثوها جؤرا علي مر الدهور في غفلة تاريخية من (أصحاب الارض الحقيقيين ) الذين مورست عليهم قهرا كل أنواع الاستبداد والاضهاد العنصري عبر سياسات ممنهجة جعلتهم بعيدين عن مركز القرار السياسي حقب تاريخية متوالية أضعفت من الارداة الوطنية القومية نتاج ذلك التهميش المتعمد لإشراكهم في تلك الحقوق الدستورية التي تضمن لهم مكتسبات تلك الحقوق . وهو ما ساعد علي تعمد تلك النخب الحاكمة الوارثة لاحتكار السلطة المركزية وتوريثها لأجيالهم عبر أشكال من الحكم الشمولي ( عسكريا ومدنيا ) يضمن استمرارية مصالح تلك النخب بالخرطوم بؤرة الفساد السياسي السلطوي المقيت . وقد كان النتاج هذا النظام الفاسد الذي جاء بكل قبيح مشؤوم من عناصر اجرامية آيدولوجية جعلت من معتقدات السودانيين الدينية زريعة لتكريس السلطة في اياديهم الملطخة بدماء الأبرياء من جموع السودانيين الاصيلين . ولم تكتفي بذلك بل تجرأت بالضلوع في المحظور بإستقدام مجموعات أجنبية من خارج الحدود لتمكنها من تمكين سلطتها الآيلة للسقوط وفتحت لها المعسكرات للتدريب بل واستعانت بها في تثبيت أركان حكمها الذي تعلم انه لا يمكن له ان يستقيم وكان نتاجه أن ( قوّضت من تركيبة جيشه الوطني الضمانة الوحيد لحماية الدستور وتراب الوطن وحدوده المقدسة ووحدته التي من اجلها استشهد الأسلاف من الجدود . وها هم الآن يدفعون الثمن غاليا بارتكابهم حماقة تاريخية بالضلوع في حرب تراجيدية عبثية مع أصنام صنعوها بأنفسهم ومكنوها علي حساب قواتنا المسلحة الوطنية المفتري عليها والتي (لا تسئل بكل تأكيد عن مسئولية ونتاج تلك الحرب المفروضة عليها قسرا) والتي فقدت الان بأسبابها خيرة الضباط وضباط الصف والجنود . وهاهي الحرب الآن تضع أوزارها ونهايات محطاتها الأخيرة سواحل البحر الأحمر ؛ الممر المائي الإقليمي والعالمي المهم الذي تتوق إليه كل الأنظار الطامعة لإيجاد مواطئى اقدام بمياهه وموانئه لما تشكله من أهمية لتلك القوي العالمية والإقليمية . ليس ذلك وحسب وانما اقليم شرق السودان هو النافذة الوحيدة للبلاد التي يتنفس من خلالها علي العالم . وأنه المدخل للقرن الأفريقي و لمضيق باب المندب والعقبة والخليج العربي او الفارسي والبحر المتوسط الرابط بالمحيطات . والإقليم نقطة الانطلاق لحدود جغرافية اقليمية مباشرة لكل من مصر وليبيا وتشاد شمالا وغربا وإريتريا وإثيوبيا شرقا ودولة جنوب السودان جنوبا وجلها ذات علاقة مباشرة بجوهر الصراع الان بالبلاد؛ ومن هنا يكمن خطورة المشكل واهمية الإقليم الشرقي لجوهر الصراع الذي كنا ننبه اليه كثيرا في السابق . وعندما احتدم الصراع بين المتحاربين الان بالخرطوم وامتدت نيرانه لبقية الأقاليم المجاورة كان الهروب الجماعي -حكومة وشعبا – الي بورتسودان حيث طاب لهم المقام. وقد نبهنا الي ذلك واستمرأوا ادمان اللجوء الي هناك علي حساب اهل الإقليم وأمنهم وأعراضهم ومعاشهم ومصالحهم و قد قبلوا ذلك برضاء تام بحكم تركيبتهم القائمة علي نصرة الضعيف والمظلوم واحتواء المكلوم والملهوف فهي من سماتهم وشيمهم التي ورثوها ممن سبقوهم بكل تأكيد . وقد ظن بعض الاغبياء ان ذلك ضعفا وخنوعا وجهلا من أهل الارض والتاريخ بما يدور وظلوا يعبثون بتلك القيم وهم لا يعلمون حكمة وصبر إنسان الشرق وتحمله لتفاهات الآخرين . وان لهم من الحكمة والدهاء والخبرة الذي يمكنهم من التعامل مع مثل هذه المواقف في المناسب وهو ما قد كان . فإن انتفاضة الشرق التاريخية الفاصلة في مؤتمر همشكوريب لهو صرخة الضرغام الذي كان في لحظات استرخاء وهو مفتوح العينين يراقب ما يدور حوله من رقص الذئاب علي فضلات الجيف . ولمؤتمر همشكوريب دلالات ذات أبعاد عميقة لو كان يعلمون . فإنها احدي قلاعً مشاعل الدين التي انطلق منها الشهيد (عثمان دقنة بنظرية المربعات ) التي مرمطت سمعة الإنجليز واضحت نظرية تدرس في أكاديمياتها العسكرية . و المؤتمر صرخة داوية من احفاد مملكة البلو وعلي رأسهم القائد /ابراهيم دنيا وبقية ابناء التقري الذين تزين أعلام ثورتهم (الشوتال ) رمز طلائع (الاورطة الشرقية) سابقا والتي شكلت بزرة قوة دفاع السودان التي رفعت اسم السودان اقليميا بكرن باريتريا والتي امتدّت سمعتها عالميا الي المكسيك. فإن الرسائل القوية التي خرجت علي لسان (القائد دنيا ) ذات المضامين الثورية القومية الوطنية ؛ قد حسمت امر (قضية شرق السودان) وأكدت مستوي الوعي الرفيع لأبناء الشرق بمعرفة عدالة قضيتهم وهموم شعوبهم ومطالبهم المشروعة في السياق العام لمطالب الشعب السوداني التي طرحت في ثورة ديسمبر التي انقلب عليها افراد هذا النظام ببورتسودان و بين الذين يعادونهم في الطرف الاخر وجميعهم شركاء في صناعة ذلك النظام .. وبهذا النتاج الذي خرجت به مخرجات احتفائية مؤتمر همشكوريب يعد نقطة فاصلة في تحديد معالم شكل الصراع بشرق السودان .. ونواصل لو بالعمر بقية.
سيف الدين صالح هارون
الولايات المتحدة 🇺🇸 الأمريكية




