رأي

دولة سلطة التأسيس: من انهيار السردية إلى عقد الدولة الجديدة: (٨) سردية سقوط الجيش القديمً( ٩) نواة الجيش القومي الجديد (١٠) الدستور ودولة التأسيس: الواقعية السياسية وحدود الإقليم

دكتور احمد التجاني سيد احمد

 

د. أحمد التيجاني سيد أحمد 

(٨) سقوط سردية الجيش القديم: حين انكشفت الدولة التي كانت واجهة

لم يكن سقوط سردية الجيش القديم حدثًا آنيًا فرضته حرب أبريل وحدها، بل لحظة كاشفة لمسار طويل من الانحراف البنيوي. هذه السردية التي قدّمت الجيش بوصفه الحارس الأعلى للدولة والمالك الشرعي الوحيد للعنف، ظلّت قائمة رغم أن الوقائع كانت تنقضها عامًا بعد عام.

مع تمدد الجيش في السياسة والاقتصاد، تحوّل من مؤسسة وطنية إلى أداة حكم، ومن قوة يُفترض أن تحمي المجتمع إلى جهاز يفرض عليه الوصاية. لم يعد الجيش حكمًا بين القوى، بل طرفًا متورطًا في شبكة مصالح تحمي الامتيازات وتغلق باب المحاسبة.

الحرب لم تُسقط هذه السردية، بل كشفت زيفها. تعدد مراكز القرار، فشل الحسم، والاعتماد على خطاب تعبوي بدل مشروع وطني، كلها مؤشرات على أن الجيش القديم فقد أهليته لتمثيل الدولة أو ادعاء احتكارها.

إن الإصرار على التمسك بهذه السردية بعد انكشافها لا يعني الدفاع عن الدولة، بل الدفاع عن شبكة الامتلاك التي احتمت بالجيش. ومن هنا يصبح سقوط السردية شرطًا أخلاقيًا وسياسيًا لأي مشروع وطني جديد.

(٩) نواة الجيش القومي الجديد: إعادة تعريف القوة والشرعية

إذا كان سقوط سردية الجيش القديم ضرورة تاريخية، فإن بناء الجيش القومي الجديد هو التحدي الحقيقي. هذا الجيش لا يُبنى باستبدال أشخاص، ولا بدمج شكلي لقوى مسلحة متصارعة، بل بإعادة تعريف معنى القوة نفسها داخل الدولة.

الشرط الأول لهذه النواة هو الخلو التام من الإسلاميين كتنظيم سياسي–عقائدي. ليس لأنهم خصم سياسي، بل لأن تجربتهم داخل المؤسسة العسكرية حوّلت السلاح إلى أداة أيديولوجية، وجعلت الولاء للتنظيم يتقدم على الولاء للوطن.

في المقابل، فإن الجيش القومي الجديد لا يمكن أن يقوم دون الاعتراف بالقوى المسلحة الواقعية التي فرضها مسار الحرب. الدعم السريع، والحركات المسلحة الموقعة على مشروع التأسيس، وربما قوى أخرى أعادت تشكيل السيطرة على الأرض، كلها مكونات لا تُلغى بالشعارات، بل تُعاد صياغتها داخل إطار دستوري جامع.

المعيار الحاسم هنا ليس التاريخ ولا الخطاب، بل الالتزام الصريح: الخضوع للسلطة المدنية، تفكيك الاقتصاد العسكري، ووضع السلاح في خدمة الدستور لا فوقه. من يقبل بذلك جزء من الجيش القومي الجديد، ومن يرفضه يخرج من معادلة الدولة مهما كانت مبرراته.

(١٠) الدستور ودولة التأسيس: الواقعية السياسية وحدود الإقليم

لا تكتمل دولة التأسيس بإسقاط السرديات القديمة وحدها، بل بإدارة التحول داخل عقد دستوري واعٍ بميزان القوة ومتخفف من أوهام الطهرانية السياسية. الدستور هنا ليس نصًا مثالياً، بل إطارًا ينظم واقعًا معقدًا ويمنع انزلاقه مجددًا إلى الفوضى أو الاستبداد.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الدعم السريع يمتلك موارد مالية واقتصادية طائلة، تمنحه قدرة فعلية على الاستمرار وبناء التحالفات. هذه الموارد، مهما كان الجدل حول مصادرها، تفرض التعامل مع الدعم السريع كفاعل سياسي–عسكري لا يمكن شطبه بالخطاب.

المقاربات الأوروبية والأمريكية تُبنى على الاستقرار وضبط الهجرة والفوضى العابرة للحدود. ومن هذا المنظور، فإن أي قوة قادرة على فرض قدر من الاستقرار قد تصبح موضوع تقارب براغماتي، كما حدث في نماذج إقليمية أخرى بدعم أوروبي وأمريكي وإماراتي.

 

أما مصر، فهي أمام مفترق طرق. سؤالها الحقيقي لم يعد كيف تحافظ على نفوذها القديم، بل ماذا ستفعل بإسلاميي السودان الذين شكّلوا عبئًا سياسيًا وأمنيًا. الاستمرار في حمايتهم أو توظيفهم لم يعد مجديًا، والبديل الوحيد هو التخلي عنهم والانخراط في شراكة جديدة مع السودان القائم على التأسيس.

بهذا المعنى، فإن دولة التأسيس ليست نهاية الصراع، بل بداية إدارة واعية له، تضبط القوة بالدستور، وتعيد تعريف العلاقة مع الإقليم على أساس الندية لا الوصاية.

انتهي

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!