رأي

السلطان عجبنا وثورة النيمانج: ملحمة مقاومة جبال النوبة ضد الاستعمار البريطاني

هاشم طيار

 

هاشم طيار 

في مثل هذا اليوم، 30 ديسمبر 1917، أسدل الستار على حياة الثائر السوداني البارز السلطان عجبنا بن أروجا بن سبا، زعيم قبائل النيمانج (أما) في جبال النوبة بولاية جنوب كردفان. قاد السلطان عجبنا واحدة من أطول وأشرس حركات المقاومة ضد الاستعمار البريطاني، امتدت من عام 1914 حتى فبراير 1918، مستهدفة مناطق استراتيجية قرب مدينة الدلنج، حيث رفض السلطان الخضوع للإدارة الاستعمارية وامتنع عن دفع الضرائب، مما حوّل هذه المناطق إلى مسارح مواجهات دامية.

قبائل النيمانج تُعد إحدى أقدم المجتمعات الإثنية في جبال النوبة، وتتركز حول مدينة الدلنج والمناطق الجبلية المحيطة بها. يتحدثون لغة النيمانج، وهي من اللغات النيلية–الصحراوية، ولا تزال حية ومتداولة حتى اليوم. قبل الاستعمار، كان للنيمانج نظام سلطنة محلي تقوده شخصية السلطان، بمعاونة مجلس الأعيان والقادة العسكريين والزعماء الروحيين المعروفين بـ”الجور”. وقد اشتهرت هذه القبائل بالتماسك والانضباط، سواء في السلم أو الحرب، واعتمدت تقليديًا على الزراعة المطرية (الذرة، الدخن، السمسم) وتربية الماشية، مستغلة التضاريس الجبلية في الدفاع عن أراضيها.

قدمت قبائل النيمانج مثالًا بارزًا على مقاومة الاستعمار، وكان السلطان عجبنا رمزها الأبرز، إلى جانب مندي بنت السلطان، التي أصبحت أيقونة المقاومة النسائية. بلغت الثورة ذروتها بعد اغتيال مفتش المركز البريطاني هتون في كمين نوفمبر 1917، ما دفع السلطات البريطانية لإرسال قوة كبيرة بقيادة المقدم سميث لقمع التمرد.

خلال الحصار القاسي الذي فرضته القوات البريطانية من ثلاث جهات، بما فيها الوال، كلامو، والنَّتل، حاولت القوات عزل السلطان عن مصادر المياه في كوديلو بونغ. في هذه الأثناء، برزت ملحمة مندي، ابنة السلطان، التي ربطت رضيعها على ظهرها، وحملت بندقيتها، وغرست البُخسة في الأرض وفق تقاليد النيمانج، مؤكدة العهد بعدم التراجع. ومع أنها فقدت طفلها بنيران القوات البريطانية، واصلت المشاركة في القتال، رافعة المعنويات، وإسعاف الجرحى، وإعداد الطعام، حتى تحولت قصتها إلى مِثال يُتداول عبر الأجيال.

اعتمدت القوات البريطانية على التفوق التقني، مستخدمة المدافع الرشاشة والعربات المصفحة، بينما لجأ مقاتلو النيمانج إلى حرب العصابات والأسلحة التقليدية مثل المرمطون (الرماح) وأبو جقرة (السكاكين). من الناحية الاستراتيجية، اتبعت بريطانيا سياسة الحصار الشامل، بما في ذلك إحراق القرى وتسميم الآبار لتجويع السكان، في حين أحسن السلطان استغلال تضاريس الجبال، مخزنًا المحاصيل مثل البطيخ كمصدر بديل للمياه، ما ساهم في إطالة أمد المقاومة.

توثّق الوثائق البريطانية، ومنها تقرير بعنوان “عمليات سميث في جبال الأما” (1918)، الخسائر الكبيرة للطرفين. فقدت القوات البريطانية ضابطين وسبعة جنود، بينما سقط 26 مقاتلًا من النيمانج في معركة النتل و10 في تندية، من بينهم القائد كجور حماد قيدوم، الذي وصفته الوثائق بأنه من أشد قادة الغارات بعد السلطان عجبنا.

بعد معارك ضارية استمرت ثلاثة أشهر، نجحت القوات البريطانية في اقتحام معقل السلطان، وأُلقي القبض عليه في 28 ديسمبر 1917. سلّم السلطان للقائد ميلن، الذي أصدر حكمًا بالإعدام شنقًا له ولرئيس أركان جيشه كليكون، بحضور قسري لعدد من زعماء النوبة، كرسالة ترهيب لكل من يفكر في مقاومة الاحتلال.

ورغم سقوط السلطان عجبنا، لم تخمد الثورة، إذ كانت تنتقل من جبل إلى آخر، معاركها مستمرة، وخسائر فادحة تحدث بين المقاتلين والمدنيين على حد سواء. وبذلك، تركت الثورة إرثًا بطوليًا خالدًا في الذاكرة الوطنية السودانية، وأجبرت الاستعمار البريطاني على إعادة النظر في سياساته، لتبقى ثورة السلطان عجبنا نموذجًا ملهمًا لإرادة الشعوب في مواجهة القوى الاستعمارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!