
علي سانتيتو
في لحظة فارقة من تاريخ السودان، يواصل جيش البرهان وحلفاؤه من المجموعات الإسلاموية المسلحة ارتكاب جرائم موثقة ضد المدنيين، في مشهد دموي لا يحتاج إلى كثير من التدقيق لإدراك طبيعته الإجرامية المنهجية، لم يعد ما يحدث مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء معركة، هو مشروع سياسي وعسكري متكامل يستند إلى القتل والنهب والتهجير والتطهير العرقي كأدوات لبقاء سلطة البرهان، وبحث شرعية مفقودة بالدم والخراب. وفي مواجهة هذا الجبروت، برزت المنظمات الحقوقية كصوت للضحايا وسلاحهم الأخير، تكشف جرائم الجيش الايدولوجي أمام المجتمع الدولي وتضع قائدة في قلب دائرة الاتهام.
لقد لعبت هذه المنظمات دوراً بارزاً في الدورة الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، حيث نقلت صورة مأساوية عن حجم المذابح والانتهاكات التي ارتكبتها المليشيات الإسلاموية في دارفور وكردفان والخرطوم، لم تكتفِ المنظمات بالتوثيق، بل مارست ضغوطاً مباشرة على الدول الأعضاء، مطالبة بإجراءات واضحة تضع جنرالات الجيش أمام مسؤولياتهم الجنائية، وتوقف مسلسل الإفلات من العقاب الذي شكّل على الدوام الحاضنة الكبرى لاستمرار الجرائم، كان خطابها صادماً وصريحاً، إما أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته ويوقف آلة القتل، أو يصبح شريكاً في هذه الجريمة بالصمت والتغاضي.
الأخطر من ذلك أن المؤسسة العسكرية وحلفاءها الإسلامويين لم يكتفوا بسفك الدماء، بل عمدوا إلى استخدام خطاب الكراهية كسلاح إضافي لتفكيك المجتمعات السودانية من الداخل، عبر المنابر الإعلامية والدينية، فقد تم نشر رسائل عنصرية سامة تستهدف الهوية الوطنية الجامعة وتحوّل التعدد الثقافي والعرقي من مصدر ثراء إلى ميدان حرب أهلية مفتوحة، هذا الاستخدام المنظم لخطاب الكراهية ليس عارضاً، هي سياسة مدروسة تهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتحويل المجتمعات السودانية إلى كانتونات متناحرة، يسهل إخضاعها وتوظيفها، ومن هنا يتضح أن معركة السودان ليست فقط على السلطة السياسية، لكن على جوهر الوطن نفسه.
ما يجعل دور المنظمات الحقوقية أكثر أهمية، أنها لم تسمح للجيش بأن يختبئ وراء ذرائع حماية الدولة، لقد عرّت خطابه أمام المجتمع الدولي وأثبتت أن الجيش أصبح أكبر مهدد لوحدة الوطن ووجوده، فالتقارير الموثقة وشهادات الناجين التي حملتها المنظمات إلى المنابر الأممية كسرت حاجز الصمت، وفضحت البنية الإجرامية التي تحكم سلوك الجيش ومليشياته، وبهذا تعيد صياغة معادلة الصراع بطريقه أخرى، لم يعد الأمر مجرد تنازع على الحكم، هي مواجهة صريحة بين مشروع دموي يتغذى على العنصرية والطائفية، ومشروع بديل يسعى لبناء سودان قائم على الحرية والعدالة والمساءلة.
اليوم، لم يعد مقبولاً أن يواصل المجتمع الدولي دفن رأسه في الرمال بينما تنهار دولة كاملة أمامه. إن البيانات المكررة عن القلق والإدانة، لم تعد تجدي شيئاً، بل تحولت إلى غطاء سياسي للإفلات من العدالة، يبدو أن المنظمات الحقوقية وضعت الكرة في ملعب العالم بوضوح، إما أن يتحول التضامن إلى قرارات حاسمة بوقف الدعم العسكري والمالي والسياسي للجيش، وإنشاء آليات محاسبة دولية مستقلة، أو يستمر التواطؤ الصامت الذي يترك ملايين السودانيين رهائن لمذابح بلا نهاية.
لقد آن الأوان للتوقف عن مجاملة قادة العنف في بورتسودان، إن العصابة العسكرية لا تفهم سوى لغة الردع والمواجه، ولا يمكن وقف مشروعها الدموي إلا بإرادة دولية واضحة تضعها أمام العدالة، وتمنع عنها أدوات القتل والتخريب. فإما أن يتحرك العالم اليوم قبل غدٍ، أو يسجّل التاريخ أن المجتمع الدولي تواطأ مع القتلة وترك السودان يذبح حتى آخر نفس.




