
مها الهادي طبيق
تأتي زيارة عبد الفتاح البرهان إلى تركيا في لحظة يتبلور فيها لأول مرة مشروع سياسي بديل خارج عباءة الدولة القديمة ، ويتمثل هذا المشروع في تحالف التأسيس بوصفه محاولة لإعادة تعريف السلطة والعقد الاجتماعي الذي يشمل كآفة أطراف الدولة القديمة وبناء مشروع جديد من القاعدة إستنادا على رغبة الشعوب السودانية طواعية بعيدا عن فوهة البندقية .
هنا تحديدًا ، يجب قراءة الزيارة ، ذلك أن الإسلاميين في السودان يواجهون بجانب خطر الهزيمة العسكرية ، يواجهون خطرًا أكبر يتمثل في فقدان احتكار الدولة . ومشروع التأسيس يهدد جوهر وجودهم ، لأنه ينزع الشرعية من الدولة المؤدلجة ويفصل الجيش عن السياسة ويطرح سؤال السلطة من خارج المنظومة التي سيطروا عليها لعقود ، والآن يمثلهم البرهان كواجهة سياسية لشبكة أيديولوجية .
جاءت تحركات البرهان الخارجية تعبّر عن دولة تبحث عن إستمرار الحرب ، وعن نواة سلطة تبحث عن بقاء . هذه النواة تقودها شبكة إسلامية أعادت تموضعها داخل الجيش ، وتعمل وفق نموذج معروف في إدارة الأزمات وهي إطالة الحرب ، وتعقيد الحلول ، وتجفيف البدائل المدنية . لذلك تأتي زيارة تركيا لتخدم هذا الهدف بدقة
لماذا تركيا في هذا التوقيت ؟
لأن أنقرة لا تشترط تفكيك الإسلام السياسي ولا تربط دعمها بتحول ديمقراطي جذري وتقبل منطق “الدولة أولًا” حتى لو كانت هذه الدولة مختطفة وبدون شرعية ، وبالتالي ، فهي منصة مثالية لإعادة تسويق سلطة فقدت مشروعيتها داخليًا ، في مواجهة مشروع تأسيسي الذي يطرح شرعية جديدة من الهامش .
ما لا يُقال في البيانات الرسمية هو أن أي اعتراف دولي بالبرهان ، دون تفكيك بنية الإسلاميين ، يعني عمليًا تقويض شرعية تحالف التأسيس وإضعاف فرص بناء عقد اجتماعي جديد بالاضافة الى إعادة إنتاج دولة ما قبل الثورة بصيغة أقل صخبًا وأكثر دهاءً . الإسلاميون يدركون أن المعركة معركة شرعية ، وزيارة تركيا جزء من هذه المعركة .
زيارة البرهان لتركيا هي محاولة لإغلاق نافذة تاريخية فُتحت أمام السودانيين لبناء دولة جديدة . وأي دعم خارجي لا ينحاز بوضوح لمشروع التأسيس ، هو دعم مباشر لاستمرار الدولة المختطفة ، مهما كانت نواياه .




