
مؤيد الأمين
تشهد البلاد في موازنة 2025–2026 موجة جديدة من التدهور الاقتصادي، تمثلت في ارتفاع قاسٍ في سعر الدولار، سرعان ما ينعكس على أسعار جميع السلع الاستهلاكية والضرورية. الغذاء، الدواء، المواصلات، وحتى أبسط متطلبات الحياة اليومية، ستصبح بعيدة المنال عن المواطن العادي، الذي يواجه الأسواق براتب ضعيف لا يقوى على الصمود.
هذا الواقع ليس نتيجة أخطاء فنية أو ظروف خارجية فقط، بل هو ثمرة مباشرة للحرب المستمرة، التي دمّرت الاقتصاد، وأعادت إنتاج النظام السابق نفسه، جماعة الإخوان المتأسلمين، لا كقوة مؤثرة فحسب، بل كنظام كامل عاد ليحكم عبر الفوضى والسلاح والاقتصاد المنهوب.
الموازنة المطروحة لا تحمل أي ملامح إنقاذ أو إصلاح، بل تُحمّل المواطن وحده كلفة الحرب، بينما تُفتح الأبواب أمام شبكات النهب والثراء غير المشروع. الدولة غائبة، والمؤسسات مشلولة، والرقابة منعدمة، أو متواطئة. في هذا الفراغ، تمدد النظام السابق، وعاد بأساليبه المعروفة: السيطرة على الموارد، العبث بالعملة، وخلق أزمات معيشية تُستخدم كوسيلة إخضاع.
ما يجري اليوم لا يمكن وصفه بفساد عادي، بل هو نهب منظم. عصابات النظام السابق تنشط في كل مفاصل الاقتصاد، مستفيدة من غياب القانون، وتواطؤ إدارات لا تملك الشجاعة أو الإرادة للمواجهة. المال العام يُستباح، والقرارات الاقتصادية تُتخذ لصالح قلة، بينما تُترك الأغلبية لمصيرها.
الضحية الأولى لهذا الوضع هو المواطن البسيط: الموظف، العامل، صاحب الدخل اليومي. لا حماية اجتماعية، لا دعم حقيقي، ولا سياسات تخفف من وطأة الغلاء. هذا المواطن لا يملك مدخرات، ولا سندًا، ويُطلب منه وحده أن يتحمل نتائج حرب لم يخترها، وسياسات لم يشارك في صنعها.
جماعة الإخوان المتأسلمين، بوصفهم النظام السابق نفسه، وجدوا في استمرار الحرب مصلحة مباشرة. فكلما طال أمدها، ضعفت الدولة، وغابت المحاسبة، وتعزز نفوذهم الاقتصادي والسياسي. الحرب بالنسبة لهم ليست مأساة وطنية، بل أداة للعودة، ووسيلة لإعادة بناء سلطتهم القديمة بوجوه مختلفة.
في المقابل، يبدو رأس الدولة بلا رؤية اقتصادية واضحة، ولا مشروع وطني جامع. القرار مرتهن، والإدارة ضعيفة، والحكومة التنفيذية عاجزة عن كبح الانهيار أو حماية المواطن. ما نراه هو تكرار لخطاب مكرر، بلا حلول، وبلا شجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها.
الوضع الاقتصادي يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، ولا أحد يعلم كيف سيكون حال العام الجديد على شعب أنهكته الحرب، وشردته، وأفقرت ما تبقى منه. الأسئلة تتكاثر، والإجابات غائبة، بينما تتآكل القدرة على الصبر.
إلى متى يظل المواطن رهينة لنظام يضع السلاح على رأسه، ويسلبه حقه في الحياة الكريمة؟ هل يُترك ليواجه الغلاء والجوع وحده، فقط لإسكاته وكسر إرادته؟ أم أن هذا الشعب، الذي أسقط النظام السابق من قبل، قادر على استعادة صوته، ورفض هذا النهب، وهزيمة الطفيليات مرة أخرى؟
ما يحدث اليوم ليس قدرًا، بل سياسة مقصودة. سياسة تقوم على إنهاك الناس، وتجريدهم من أبسط حقوقهم، لضمان استمرار السيطرة. إن إنقاذ البلاد لا يبدأ بموازنات قاسية، بل بإنهاء الحرب، وتفكيك النظام السابق اقتصاديًا، واستعادة الدولة من قبضة العصابات. دون ذلك، سيبقى المواطن بلا أمان، وبلا أمل، وبلا حق في حياة طبيعية.




