رأي

الخرطوم.. مدينة ملوثة بالمخاطر 

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني 

تشهد العاصمة السودانية الخرطوم حالةً استثنائية من التلوث والخطر الذي يهدد حياة المدنيين بشكل يومي، حيث لم تعد آثار الحرب تقتصر على الخسائر المباشرة في الأرواح والممتلكات، بل امتدت لتشمل البيئة، الصحة العامة، وسلامة الحياة اليومية للسكان. انفجارات الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة، بالإضافة إلى الركام الناتج عن القتال، أصبحت تهدد كل خطوة في شوارع وأحياء العاصمة، ما يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية شبه مستحيلة.

تشير التقديرات إلى أن نحو 80% من مناطق الخرطوم تحتوي على ذخائر غير منفجرة، بما فيها الألغام والقذائف التي لم تنفجر، بالإضافة إلى ملايين الأطنان من الركام الملوث بالمواد الكيميائية والسامة. وتعتبر هذه المخلفات تهديدًا فوريًا للعائدين إلى ديارهم بعد سنوات من النزوح، كما تعيق بشكل كبير عمليات إعادة الإعمار وإعادة تأهيل المؤسسات الحيوية والخدمية في المدينة.

وتضيف المخاطر البيئية بعدًا جديدًا للمعاناة: تراكم الحطام، ووجود مواد مثل الأسبستوس والملوثات الناتجة عن تفكك الأسلحة، يجعل مناطق واسعة في العاصمة غير صالحة للسكن لفترات طويلة، ويهدد الصحة العامة بشكل مباشر، خاصة للأطفال وكبار السن والنساء الحوامل. هذه الظروف تجعل أي تحرك لإعادة المؤسسات أو الخدمات الحكومية إلى مواقعها الأصلية في وسط الخرطوم قرارًا محفوفًا بالمخاطر، الأمر الذي دفع معظم السلطات إلى إنشاء مقار جديدة بعيدة عن المراكز القديمة الملوثة، في خطوة تكشف هشاشة إدارة المرحلة الراهنة.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات سلطة الأمر الواقع التي تُعلن عن عودة الحياة الطبيعية وتسهيل وصول الخدمات الحكومية إلى العاصمة بعيدة عن المصداقية، وتنضح بالأكاذيب، إذ لم تتخذ هذه السلطة أي خطوات ملموسة للتعامل مع مخاطر المخلفات الحربية أو ضمان السلامة البيئية للمدنيين. إن سياساتهم الانتقائية وعدم التعامل الجاد مع الخطر المستمر تظهر استهتارًا واضحًا بحياة السكان وتفضيل مصالح رمزية على حماية الإنسان.

وبجانب المخاطر المتفجرة، تشكل الأسلحة الكيماوية المستخدمة خلال الصراع خطراً طويل الأمد، حيث لوحظ وجود مواد سامة مختلطة بالركام ومواد البناء المدمرة، الأمر الذي يجعل الخرطوم واحدة من أكثر المدن تلوثًا في المنطقة، ويعرض السكان لخطر صحي مستمر يتجاوز الخسائر المادية المباشرة.

إن الواقع في الخرطوم اليوم يفرض تحديًا مزدوجًا: أولًا حماية المدنيين من الألغام والذخائر غير المنفجرة، وثانيًا التعامل الجاد مع التلوث الكيميائي والبيئي المتفاقم، قبل أن تصبح المدينة غير صالحة للسكن بشكل دائم. ولا يمكن تحقيق ذلك دون تدخل عاجل من السلطات المحلية والمجتمع الدولي، عبر برامج إزالة الألغام، تنظيف المواد السامة، وضمان آليات مراقبة بيئية دقيقة.

الخرطوم ليست مجرد مدينة مزقتها الحرب، بل نموذج حي لمدينة تحت التهديد المستمر، حيث تصطف المخاطر الطبيعية والصناعية مع آثار الحرب لتشكل بيئة غير صالحة للحياة. ومع استمرار صمت السلطات الفاعلة، وبقاء سياسات الأمر الواقع بعيدة عن الشفافية والمصداقية، فإن حياة المدنيين اليومية تصبح رهينة للمخاطر التي لم تُحل، وتتحول العاصمة تدريجيًا إلى مدينة غير قابلة للسكن على المدى الطويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!