
عماد أبكر جدو
منذ سقوط الدولة القومية الوطنية الأولى، دولة المهدية، ووقوع السودان تحت الاحتلال الإنجليزي–المصري، رسخ نمط ثابت في إدارة الدولة يقوم على تركيز السلطة والثروة في أيدي مجموعات عرقية وجهوية محددة، غالباً من شمال ووسط السودان. هذه المجموعات اختيرت بعناية لتسيطر على مفاصل الدولة الحيوية، بما في ذلك الإدارات العليا للخدمة المدنية، والشرطة، والخارجية، والسلطة القضائية، وقطاعات الصحة والتعليم، إضافة إلى إدارة البنوك والضرائب والجمارك، مكوِّنة ما يمكن وصفه بـ«كارتيلات جهوية» استمرت صامدة أمام كل محاولات الإصلاح.
وعندما نتحدث عن السلطة، لا نعني المناصب السياسية الشكلية، بل السلطة الفعلية التي تحدد السياسات وتوزع الموارد وتتحكم في الاقتصاد والإدارة. هذا الهيكل جعل سياسات الدولة أقرب إلى سياسات جماعات مغلقة أو عصابات منظمة، وفشلت كل محاولات الحكم الإقليمي أو الولائي، ليس فقط بسبب الثغرات القانونية، بل لأن هذه الكارتيلات استمرت في إحكام قبضتها على الإدارة، فأفرغت اللامركزية من محتواها الحقيقي.
اللافت أن الولايات الشمالية هي الوحيدة التي حُكمت تقريباً وفق الحكم اللامركزي الحقيقي، إذ تولت إدارتها عناصر محلية في كل المستويات، بينما بقيت بقية الولايات تحت السيطرة المركزية للكوادر الشمالية، سواء في المناصب القيادية في الإدارة، أو الجيش، أو البنوك، أو المصالح الحكومية المختلفة.
وكشفت حرب 15 أبريل 2023م عن أهداف هذه الكارتيلات، حيث اتجهت أنظارها نحو شرق السودان، وخاصة بورتسودان، لما يمتلكه الإقليم من أهمية استراتيجية واقتصادية. فالولايات الشمالية وفق حساباتها فقيرة الموارد، بينما تتركز السلطة الحقيقية في الخرطوم، ثم في بورتسودان، التي تضم الميناء البحري الرئيسي ومصفاة تكرير البترول التي تعالج نفط الجنوب وغرب كردفان، ما يجعلها موقعاً أساسياً للسيطرة على الموارد.
اختيار بورتسودان عاصمة بديلة لم يكن عفوياً، بل كان جزءاً من مخطط لخلق مراكز نفوذ متعددة تتيح للكارتيلات المناورة والتحكم في الموارد والسياسة، بعيداً عن رقابة الشعب.
لكن ما لم تحسبه هذه الكارتيلات هو صحوة الشعوب المهمشة التي بدأت تكتشف حجم الاستغلال وتطالب بحقوقها الطبيعية في إدارة مواردها والمشاركة في السلطة. شهدت دارفور وولايات كردفان والنيل الأزرق والإقليم الشرقي صحوة جماهيرية وكشفاً للموارد الزراعية والحيوانية والمعدنية، ما أفشل محاولات الإعلام الموجَّه والتصريحات السياسية لتغبيش الوعي.
وعلى الرغم من مطالب المهمشين العادلة، واجهتهم الكارتيلات باتهامات زائفة بعدم الوطنية، أو وصفهم بأنهم عملاء لدول الجوار، بينما غابت هذه التهم تماماً عن الدولة التي تعاملت مع السودان تاريخياً كحديقة خلفية لمصالحها الخاصة.
إن قضية قسمة الثروة والسلطة في السودان ليست مجرد مطلب سياسي عابر، بل جوهر بناء الدولة الوطنية العادلة. ولن يتحقق الاستقرار والسلام المستدام إلا من خلال الاعتراف بحق المناطق المهمشة في إدارة مواردها، ومشاركة فعّالة في السلطة، بعيداً عن هيمنة الكارتيلات الجهوية التي أرهقت البلاد وأدخلتها في دوامة الحروب والصراعات.
السودان بحاجة اليوم إلى إصلاح حقيقي يُعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة، ويضع حداً للهيمنة الجهوية، ويؤسس لدولة وطنية شاملة تستفيد منها كل المكونات دون استثناء، ليصبح مطالب المهمشين أساساً لإعادة بناء وطن متوازن ومستقر.




