
د.احمد التجاني سيد أحمد
حين تخرج الدعوات العامة من منصّات النخب، فهي لا تُقاس بحسن النية وحده، بل بوزن الذاكرة والوقائع. من هنا تثير دعوات الدكتورة أماني الطويل لحماية «وادي النيل» أسئلة أعمق من صيغة الدعاء نفسها: أيّ وادٍ يُقصد؟ وأيّ شراكة تاريخية تُستدعى؟ وهل الذاكرة السياسية في مصر والسودان تسمح بتجاوز تراكمات قرنٍ كاملٍ من الاختلال وعدم التكافؤ؟
ظلّ «وادي النيل» في الخطاب الرسمي المصري عنوانًا جغرافيًا شاعريًا، لكنه في الممارسة كان — في محطات كثيرة — علاقةً غير متوازنة. فالسودان، الذي قُدِّم طويلًا بوصفه تابعًا أو هامشًا، عاش سياساتٍ استنزافيةٍ في الموارد، وتدخّلًا في القرار، وتجاهلًا لحقائق التنوع والتاريخ المحلي. وحين يُستدعى هذا العنوان اليوم، بلا مراجعةٍ صريحةٍ للماضي، يبدو كأن المطلوب ترميم صورةٍ لا تصالحًا حقيقيًا.
ولا ينفصل السؤال عن مصر نفسها. فمصر النوبية الصعيدية، بعمقها التاريخي والإنساني، دفعت أثمانًا باهظة لسياسات مركزية لم تُنصف الأطراف. شهد القرن العشرون مشروعاتٍ كبرى حملت وعود التنمية، لكنها خلّفت تهجيرًا وفقدانًا للذاكرة المكانية، وجرحًا لم يندمل. هذه الوقائع ليست سرديات غضب، بل حقائق موثّقة لا يستقيم تجاوزها بالدعاء وحده.
أما النزاعات الحدودية والاقتصادية، من حلايب وشلاتين إلى أرقين، وما يرتبط بها من ذهبٍ وتجارةٍ غير عادلة، فتؤكّد أن اللغة الأخلاقية لا تكفي إذا لم تُسند بإجراءات قانونية واضحة، واحترامٍ متبادل للسيادة، وآليات شفافة لتقاسم المنافع. فالتاريخ لا يُمحى بالإنكار، بل يُدار بالاعتراف والمراجعة.
وفي العمق الثقافي، تُذكّرنا النوبة — تاريخًا وحضارة — بأن وادي النيل كان دائمًا فضاءً أفريقيًا متعدّدًا. حكم النوبيون مصر في حقبةٍ مؤثرة، وقادت الملكة أماني ريناس مقاومةً ناجحة ضد روما. كما أن محاولات تلوين الذاكرة أو نزع أفريقيتها عن رموز المتحف المصري لا تخدم العلم، بل تعيد إنتاج تحيّزاتٍ عفا عليها الزمن.
إنّ الدعاء لوادي النيل لا يكون ذا معنى ما لم يُسبق بسؤال العدالة: عدالة الذاكرة، وعدالة الحاضر، وعدالة المصالح. الشراكة الحقيقية تبدأ بالاعتراف المتبادل، واحترام السيادة، والتخلي عن مركزية الوصاية. عندها فقط يصبح وادي النيل جسرًا للتكامل، لا عنوانًا للهيمنة؛ مساحةً للتاريخ المشترك، لا قناعًا لتجاهل الجراح.




