رأي

التشابك البنيوي بين النزاع المسلح والصحة البيئية في السودان: مقاربة أكاديمية متعددة المستويات

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

تُظهر الأدبيات المعاصرة في مجالات الصحة العامة والعلوم البيئية أن العلاقة بين النزاعات المسلحة وتدهور النظم الصحية–البيئية ليست علاقة خطية، بل هي علاقة بنيوية معقدة تتسم بالتغذية الراجعة (feedback loops) والتأثيرات التراكمية عبر الزمن. وفي السياق السوداني، تتخذ هذه العلاقة طابعًا أكثر حدة نظرًا لتقاطع عوامل الهشاشة السياسية، والضغوط البيئية، وضعف البنية المؤسسية.

من منظور نظري، يمكن تأطير هذه العلاقة ضمن نموذج “النظم الاجتماعية–البيئية” (Social-Ecological Systems)، الذي يفترض أن صحة الإنسان ليست نتاجًا منفصلًا، بل نتيجة تفاعل ديناميكي بين مكونات بيئية واجتماعية واقتصادية. وفي حالات النزاع، يحدث خلل عميق في هذا النظام، حيث تتعطل آليات التنظيم (regulation)، وتضعف القدرة على التكيف (adaptive capacity)، ما يؤدي إلى انتقال النظام نحو حالة من عدم الاستقرار المزمن.

أحد أبرز مظاهر هذا الاختلال يتمثل في تدهور خدمات المياه والإصحاح البيئي (WASH)، التي تُعد حجر الزاوية في الوقاية الصحية. إذ تشير النماذج الوبائية إلى أن انخفاض الوصول إلى المياه النظيفة يرتبط بزيادة معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا والتيفوئيد، مع ما يرافق ذلك من ارتفاع في معدلات المراضة والوفيات، خاصة في البيئات المكتظة بمخيمات النزوح.

وعلى مستوى جودة الهواء، تُظهر الدراسات أن النزاعات المسلحة تسهم في زيادة الملوثات الدقيقة (Particulate Matter – PM2.5 وPM10)، نتيجة حرق الوقود الأحفوري، والانفجارات، وغياب أنظمة إدارة النفايات. ويرتبط التعرض المزمن لهذه الملوثات بزيادة عبء الأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب والرئة، ما يعكس انتقال العبء الصحي من النمط الحاد إلى النمط المزمن.

أما من زاوية الأمن الغذائي، فإن تدهور التربة وفقدان التنوع البيولوجي نتيجة النزاع يؤديان إلى اختلال في النظم الزراعية، ما ينعكس في انخفاض الإنتاجية وزيادة معدلات سوء التغذية. ويُظهر تحليل سلاسل الإمداد الغذائي أن النزاعات تعطل الأسواق المحلية، وتحدّ من الوصول إلى الغذاء، ما يفاقم من هشاشة الفئات السكانية.

وفي هذا الإطار، يكتسب مفهوم “الصحة الواحدة” (One Health) أهمية تحليلية متزايدة، إذ يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة ضمن إطار تكاملي. ففي السودان، حيث يعتمد جزء كبير من السكان على الثروة الحيوانية، يؤدي تدهور البيئة إلى زيادة مخاطر الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان (Zoonotic Diseases)، ما يضيف بعدًا إضافيًا للأزمة الصحية.

كما لا يمكن إغفال دور التغير المناخي كعامل مضاعف للمخاطر (risk multiplier)، حيث يؤدي إلى تفاقم الظواهر البيئية المتطرفة، مثل الجفاف والفيضانات، في سياق تعجز فيه المؤسسات عن الاستجابة الفعالة. ويُظهر هذا التداخل أن النزاع لا يعمل بمعزل عن العوامل البيئية، بل يعيد تشكيلها ضمن دائرة معقدة من التأثيرات المتبادلة.

من الناحية المنهجية، تتطلب دراسة هذه الظواهر اعتماد مقاربات متعددة التخصصات (interdisciplinary approaches)، تجمع بين التحليل الوبائي، والنمذجة البيئية، والدراسات الاجتماعية. كما تستدعي تطوير مؤشرات مركبة تقيس التداخل بين الصحة والبيئة، بدل الاكتفاء بالمؤشرات التقليدية المنفصلة.

أما على مستوى السياسات، فإن الاستجابة الفعالة تقتضي الانتقال من التدخلات القطاعية إلى استراتيجيات تكاملية تأخذ في الاعتبار الترابط بين النظم. ويشمل ذلك إعادة بناء البنية التحتية البيئية، وتعزيز الحوكمة الرشيدة للموارد الطبيعية، وتطوير نظم إنذار مبكر للأوبئة المرتبطة بالبيئة، إلى جانب دعم النظام الصحي.

في الختام، تكشف الحالة السودانية أن النزاعات المسلحة لا تُنتج أزمات صحية وبيئية فحسب، بل تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان وبيئته ضمن إطار من الهشاشة المركّبة. ومن هنا، فإن أي مقاربة جادة لمعالجة هذه الأزمة لا بد أن تنطلق من فهم هذا التشابك البنيوي، والعمل على تفكيكه عبر مسارات متوازية تجمع بين بناء السلام، وتعزيز الاستدامة البيئية، وتحقيق العدالة الصحية.

إن التحدي ليس في تشخيص الأزمة، بل في القدرة على تحويل هذا الفهم النظري إلى سياسات عملية تُعيد التوازن لنظامٍ اختلّ على أكثر من مستوى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!