
د.عبدالله محمد ادم كمبالا
في فجر كل عام جديد، تُرفع الأعلام السودانية، وتُلقى الخطب الحماسية، و يُحتفل بيوم الأول من يناير باعتباره عيد الاستقلال الوطني، و لكن وراء هذه المظاهر الاحتفالية، يختبئ سؤال مؤلم هو: هل نحتفل بحرية حقيقية أم نكرس لاستعمار لم يغادر عقولنا بعد؟
ولننظر إلى جوازات سفرنا و شهادات ميلادنا، كم من السودانيين، خاصة من تجاوزوا الخمسين، يحملون تاريخ ميلاد موحدًا هو الأول من يناير؟ هذه ليست مجرد مصادفة بيروقراطية، بل هي رمز صارخ لاستمرارية الاستعمار في تفاصيل هوياتنا،و كأن الدولة قالت لمواطنيها: أنتم ولدتم يوم الاستقلال، فانسوا جذوركم الحقيقية، انسوا تواريخكم الشخصية، و اصطفوا في طابور واحد يحمل نفس التاريخ المصنوع.
نعم إن المستعمر الخارجي قد رحل بجنوده وإدارته عام 1956، لكنه ترك وراءه نظامًا فكريًا و اجتماعيًا وسياسيًا ما زلنا نحميه بأنفسنا، فما زلنا نحتفل بيوم خرج فيه المستعمر، بينما نكرس كل يوم لاستمرار هيمنته على عقولنا ومواردنا و اختياراتنا،و ما حرب أبريل إلا شاهد دامغ على هذه الحقيقة المؤلمة، فبينما يُفترض أن تحمي القيادات الوطنية سيادة الوطن، نراها تحمي مصالح القوى الخارجية على حساب دماء السودانيين و أرضهم وكرامتهم. فكيف نستطيع الاحتفال باستقلال و نحن نشهد تكريسًا جديدًا للتبعية و الهيمنة؟كيف نصدق ان تاريخ ميلاد طلاب مدرسة كاملة كان في الاول من يناير ، و كيف نصدق اننا قد نلنا استقلالنا و شؤون الوطن تديرها دول اجنبية ؟
لذلك أدعو كل سوداني وسودانية إلى وقفة تأمل حقيقية في هذا اليوم و لنسأل أنفسنا: متى نستقل حقًا؟ فالاستقلال الحقيقي ليس رفع علم أو إنشاد نشيد، بل هو تحرير العقول من عقدة الدونية، وتحرير الإرادة من قبضة التبعية، وتحرير الثروات من نهب المحليين والأجانب.
إن الاستقلال الحقيقي يبدأ عندما نعترف بأن حرية الوطن لا تكتمل بحركة التحرير من المستعمر الخارجي فقط، بل بثورة دائمة ضد الجهل الذي يغلف عقولنا، والفقر الذي يحاصر أجسادنا، و الفساد الذي ينخر مؤسساتنا.
فلنحلم بيوم استقلال حقيقي، يوم نختاره بأنفسنا، يوم نهزم فيه آخر جندي استعماري في عقولنا، يوم نكتب فيه تواريخ ميلادنا الحقيقية بكل فخر، يوم لا نحمي فيه إلا مصالح شعبنا وأرضنا.
هذا هو الاستقلال الذي يستحقه السودان، استقلال الإرادة، استقلال العقل، استقلال القرار. فلتكن ٢٠٢٦ سنة جديدة نبدأ فيها مسيرة التحرير الحقيقي، ليس من مستعمر غادر، بل من استعمار ما زال يعيش بيننا، و فينا ,وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى الأول من يناير تذكيرًا مريرًا بأن أعمق أشكال الاستعمار هو ذلك الذي لا نعترف بوجوده، لأنه أصبح جزءًا من هويتنا و ذاكرتنا و وثائقنا الرسمية.




