رأي

حين تُكتَب الأكاذيب من عاصمة القصف تفكيك خطاب مريم الصادق المهدي: الأخلاق حين تُستَخدم لتجميل الهزيمة

ابو عبد الله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

 الخطاب ليس بريئًا: السياسة تُختبر في سياقها لا في لغتها

ليس كل خطابٍ مغمور بالآيات حكيمًا، ولا كل نصٍ متخم بمفردات الأخلاق بريئًا من التواطؤ. فالكلمات، مهما سمت لغتها، تُوزن بميزان الواقع، وتُختبر في ساحات الدم، لا في قاعات الاحتفال. وخطاب الدكتورة مريم الصادق المهدي، الذي قُدِّم في القاهرة في ذكرى الاستقلال ورحيل والدها، لا يمكن عزله عن لحظته السياسية، ولا عن موقعه الجغرافي، ولا عن التاريخ الذي يستدعيه ويحاول ترميمه.

السياسة التي لا تُقرأ في سياقها تتحول إلى وعظ مجاني، والأخلاق التي لا تواجه الجاني تصبح غطاءً ناعمًا للانحياز. وفي السودان اليوم، حيث تُقصف المدن وتُمحى القرى وتُستباح المجتمعات، يصبح الصمت عن الفاعل مشاركة غير معلنة في الجريمة. فحين تكون الحقيقة واضحة، لا يعود الصمت حيادًا، بل اختيارًا أخلاقيًا منحازًا.

وهم الحياد: حين يُساوى بين القاتل والضحية

يُكثر الخطاب من الحديث عن نبذ الحرب ورفض العنف، لكنه يتجنب تسمية العنف بوصفه فعلًا ماديًا له أدواته ومرتكبوه. العنف هنا ليس فكرة مجرّدة، بل طائرات تقصف، وصواريخ تنهال، ومدنيون يُقتلون باسم الدولة. وحين تُساوى الأطراف في لغة عمومية ملساء، فإن العدالة تُغتال مرتين: مرة بالفعل، ومرة بالخطاب.

الحياد بين السكين والعنق ليس فضيلة، بل جريمة لغوية مزيّنة بالتهذيب. ومن يرفض تسمية القاتل لا يحمي السلام، بل يمنح القتل مهلة إضافية. فالتاريخ لا يسأل من دعا إلى الهدوء، بل من امتلك الشجاعة ليقول الحقيقة كاملة حين كان قولها مكلفًا.

حزب الأمة: من رمانة الميزان إلى اختلال البنية

تصف مريم حزب الأمة بأنه حزب قومي جامع ورمانة ميزان السودان، وكأن هذه الصفات تُكتسب بالخطابة لا بالممارسة. الحقيقة التي لا تمحوها البلاغة أن الحزب ظل لعقود طويلة أسير بنية طائفية مغلقة، تحكمها أسرة واحدة، وتدار بعقلية الوراثة لا المؤسسية.

منذ ستينيات القرن الماضي، لم يعرف الحزب تداولًا حقيقيًا للقيادة، ولم يسمح بتكوين نخبة مستقلة، ولم يُنتج آليات ديمقراطية داخلية تحميه من التحول إلى ملكية خاصة. الحزب الذي يعجز عن ممارسة الديمقراطية في داخله، لا يملك أي شرعية أخلاقية لبيعها للناس في الخارج. فالديمقراطية لا تُمنح بالوصايا، بل تُكتسب بالممارسة اليومية.

 الجريمة المؤسِّسة: تسليم السلطة للعسكر بوصفه نهجًا

الحرب الحالية ليست قطيعة مع الماضي، بل ذروته. إنها نتيجة مسار طويل من العجز والتواطؤ والتسليم المتكرر للسلطة إلى العسكر، وكانت القوى التقليدية، وعلى رأسها حزب الأمة، جزءًا أصيلًا من هذا المسار. في كل منعطف حاسم، اختيرت التسوية مع الجنرالات على المواجهة مع الاستبداد، بحجة الاستقرار وتجنب الفوضى.

لكن من يسلّم الديمقراطية مرة، لا يحق له أن يتفاجأ حين تُدفن إلى الأبد. فالاستبداد لا يأتي فجأة، بل يُدعى، ويُرحّب به، ثم يُبرَّر. ومن يفتح الباب للعسكر باسم الحكمة، لا يملك حق الشكوى حين يسيطرون على البيت كله ويُغلقونه على أصحابه.

 أبناء الإمام والحرب: سقوط الامتحان الأخلاقي

في هذه الحرب، لم يكن الفشل نظريًا فقط، بل أخلاقيًا مباشرًا. فقد انحاز عدد من أبناء وبنات الإمام الصادق المهدي، سياسيًا وإعلاميًا، إلى طرف الجيش، رغم أن هذا الجيش يقصف المناطق التي تمثل القاعدة الاجتماعية التاريخية لحزب الأمة في دارفور وكردفان.

هذا الانحياز لم يكن خطأ تقدير، بل إعلان انفصال كامل بين القيادة الوراثية وقواعدها. فمن يدعم مؤسسة تقصف أهله، ثم يتحدث عن القيم، يكون قد حوّل الأخلاق إلى سلعة خطابية. وأسوأ أشكال الخيانة ليست خيانة العدو، بل خيانة من يدّعي تمثيلك والتحدث باسمك.

 القاهرة ليست منصة سلام: سؤال المكان والشرعية الأخلاقية

أخطر ما في الخطاب ليس فقط مضمونه، بل المكان الذي صيغ فيه وأُعلن منه. فالقاهرة ليست منصة محايدة، بل طرف فاعل في هذه الحرب. الطيران المصري شارك في قصف مدن وقرى سودانية، والدعم السياسي والاستخباراتي للجيش المختطف موثق ومعروف.

أن يُلقى خطاب عن نبذ الحرب من عاصمة تشارك في إشعالها، هو تناقض فادح، بل استخفاف بذاكرة الضحايا. الكلمات لا تولد بريئة من المكان، وما يُكتب تحت رعاية القوة المتورطة يفقد حقه في ادعاء الحياد. فلا تُكتب بيانات السلام من غرف تُدار فيها العمليات، ولا يُستدعى الضمير من تحت أجنحة الطائرات.

 أسطرة الإمام: حين يتحول التاريخ إلى حجاب

يسعى الخطاب إلى تقديم الإمام الصادق المهدي بوصفه مرجعية أخلاقية مكتملة، لكن السياسة لا تُقاس بحسن النيات، بل بنتائج الأفعال. والرجل، رغم حضوره الفكري، فشل في بناء دولة، وفشل في حماية الديمقراطية، وفشل في تفكيك البنية الطائفية التي كان جزءًا منها، ولم يترك حزبًا حديثًا قادرًا على الاستمرار بعده.

تحويل هذه التجربة إلى أسطورة منزّهة لا يخدم الحقيقة، بل يؤجل مواجهة الفشل. فالتقديس السياسي ليس احترامًا للتاريخ، بل هروبًا من نقده. والأمم التي تخشى مراجعة رموزها محكومة بتكرار أخطائها جيلاً بعد جيل.

 الهامش يعلن القطيعة: نهاية الخطاب الناعم

شعوب الهامش التي دفعت الثمن الأكبر لهذه الحرب لم تعد معنية بخطابات الحكمة المجردة. هذه المجتمعات أدركت أن كثيرًا من النخب التي تحدثت باسمها لعقود كانت جزءًا من منظومة إقصائها. ولهذا، لم يعد الخطاب الناعم مقبولًا، لا لقسوته، بل لفراغه.

حين تفقد النخب ثقة الناس، تفقد حقها في قيادتهم. وحين تتحول السياسة إلى مسرح أخلاقي بلا نتائج، يصبح الانفصال بينها وبين الواقع حتميًا. ما يجري اليوم ليس رفضًا للعقل، بل رفضًا للنفاق السياسي، وللغة تتحدث عن الوطن من مسافة آمنة بينما يُترك الجسد الوطني ينزف وحده.

بعد سقوط القداسة… لا نجاة بلا مساءلة

كما سقطت القداسة السياسية حين سُئل الملوك عن شرعية سلطتهم، يسقط اليوم كل خطاب لا يجيب على سؤال واحد بسيط: أين كنت حين قُصف الناس؟ ماذا فعلت حين سُلِّمت السلطة؟ ومن اخترت حين كان الاختيار ممكنًا؟

الخطاب الذي لا يواجه القاتل لا يحمي الضحية، بل يمنح القتل زمنًا إضافيًا. والتاريخ، في نهايته، لا يذكر من صاغ أجمل العبارات، بل من امتلك الشجاعة ليقف في الجانب الصحيح حين كان الوقوف مكلفًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!