رأي

من رايات الهامش إلى موائد السلطة: كيف اختطفت الحركات المسلحة معاناة المجتمعات؟

أدهم الضهيب

 

 أدهم الضهيب

لم يعد الخلط بين النضال الحقيقي من أجل حقوق المجتمعات، وبين تسلّق السلطة باسم تلك الحقوق، مسألة ملتبسة أو قابلة للتأويل. فقد بات هذا الخيط الرفيع أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، خصوصًا عند النظر إلى تجربة عدد من الحركات المسلحة في السودان، التي بدأت مسيرتها بخطاب العدالة وإنهاء التهميش، وانتهت بممارسة أكثر أشكال الانتهازية السياسية فجاجة.

برزت حركات مثل العدل والمساواة، بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة جيش تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وغيرها من الكيانات التي ادعت تمثيل الهامش، كحركات رفعت شعارات المظلومية التاريخية، واستخدمت لغة الحقوق والهوية لتعبئة قواعدها. غير أن الامتحان الحقيقي لم يكن في ساحات الخطاب أو المفاوضات، بل حينما اقتربت هذه القيادات من السلطة، وحين اندلعت حرب 15 أبريل، فانكشف الاصطفاف العلني مع الجلاد، وسقطت آخر أوراق التوت عن شعارات طالما رُفعت باسم الضحايا.

تحولت تلك الحركات، بسرعة لافتة، من تنظيمات تزعم النضال الجمعي إلى لوبيات ضيقة ذات طابع أسري وجهوي، حيث احتُكرت المناصب والامتيازات داخل دوائر القرابة والولاء الشخصي. وغابت أي ملامح للحوكمة أو المؤسسية أو التداول الداخلي، في إعادة إنتاج مفضوحة لذات النموذج الذي طالما انتقدته هذه الحركات في نخب المركز.

الأكثر صدمة هو ذلك الانقطاع الأخلاقي والوجداني بين هذه القيادات وقواعدها الاجتماعية. فالنازحون واللاجئون، الذين شُيّدت المسيرة السياسية على آلامهم، تُركوا يواجهون مصيرهم وحدهم، دون زيارات، أو مواقف عملية، أو حتى خطاب تضامن حقيقي. أما الشباب الذين انضموا بدافع الإيمان بقضايا العدالة، فقد اصطدموا بجدران صلبة من الإقصاء واحتكار القرار، داخل مؤسسات باتت أقرب إلى شركات خاصة منها إلى تنظيمات تحررية.

هذا المسلك ليس استثناءً، بل امتداد مشوه لتجربة النخب التقليدية في الخرطوم، التي حكمت السودان لعقود بمنطق الزبونية والمحسوبية. الفارق الوحيد أن بعض قادة الحركات المسلحة لبسوا عباءة “الهامش” و”الهوية” لتبرير ذات الممارسات القديمة. ويبدو أن الرهان على الشعبوية العرقية والجهوية أصبح هو الضامن الوحيد لبقائهم السياسي، بدل تقديم برامج حقيقية أو إنجازات ملموسة.

لقد آن الأوان لتفكيك هذا الزيف. قضايا الهامش لا تحتاج إلى تجار سياسة، ولا إلى أمراء حروب يعيدون إنتاج القهر بأسماء جديدة. ما يحتاجه السودان اليوم هو وعي نقدي جديد، يميز بين النضال الصادق والارتزاق السياسي، ويعيد الاعتبار للمؤسسية، والشفافية، والمساءلة، بوصفها الطريق الوحيد لحماية حقوق المجتمعات من الاختطاف، ومنع تحويل معاناتها إلى مجرد سلّم للصعود الفردي نحو السلطة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!