
سمية النور دهب.. دبلن
في لحظات الانهيار الكبرى، لا تُقاس السياسة بجمال لغتها ولا بنقاء نواياها، بل بقدرتها على مواكبة الزمن. والزمن السوداني اليوم زمن دمٍ لا يقبل التأجيل، ولا يحتمل العبارات التي تصل متأخرة دائمًا، بعد أن تكون الوقائع قد حسمت اتجاهها بالقوة.
أخطر ما تواجهه السياسة السودانية ليس الحرب في حد ذاتها، بل استمرار عقلٍ سياسي يتعامل مع الكارثة بوصفها أزمة خطاب لا أزمة بنية. فثمّة نخب لا تزال تعتقد أن إعادة تدوير المفردات القديمة، عن السلام والحكمة والوطن الجامع، كفيل بوقف الانهيار، متناسية أن هذه المفردات نفسها استُهلكت حتى فقدت معناها.
الخطاب الأخلاقي، حين ينفصل عن تسمية الأشياء بأسمائها، يتحول إلى أداة إخفاء لا أداة كشف. فالحديث عن الحرب بلا تحديد لمسؤوليتها، وعن العنف بلا تحديد لأدواته، لا ينتج سلامًا، بل يخلق مساواة زائفة بين من يقتل ومن يُقتل. وهذه المساواة ليست فشلًا لغويًا فحسب، بل انحراف أخلاقي مكتمل الأركان.
المشكلة الأعمق أن هذا النوع من الخطاب يصدر غالبًا عن قوى سياسية فقدت صلتها بالواقع الاجتماعي الذي تزعم تمثيله. فبين المدن المحترقة والقرى المدمَّرة، وبين مخيمات النزوح والخطابات المنمّقة، تتسع فجوة لم تعد تُردم بالاستعارات. الناس لا تبحث اليوم عمّن يعظها، بل عمّن يقرّ بالحقيقة كاملة، حتى وإن كانت جارحة.
لقد انتهى زمن السياسة التي تتحدث باسم الجميع من دون أن تحاسب نفسها أمام أحد. فالشرعية لم تعد تُستمد من التاريخ ولا من الرموز ولا من الألقاب، بل من القدرة على اتخاذ موقف واضح في اللحظة المناسبة. ومن لا يستطيع الاختيار حين يكون الاختيار واجبًا، يفقد حقه في قيادة أي مسار لاحق.
ما يجري في السودان ليس فقط صراع سلاح، بل صراع على تعريف السياسة ذاتها: هل هي فن إدارة الواقع كما هو، أم مهارة الهروب منه بلغة رفيعة؟ التجربة أثبتت أن الخطاب الذي لا يصطدم بالسلطة المسلحة، ولا يزعج القوى الإقليمية، ولا يربك التوازنات الزائفة، هو خطاب مصمم ليُصفق له، لا ليغيّر شيئًا.
السياسة، في لحظات التأسيس، لا تحتاج إلى حكماء يتحدثون من مسافة، بل إلى فاعلين يدفعون ثمن مواقفهم. وكل خطاب لا يتقدم خطوة إلى الأمام، مهما بدا متزنًا، ليس إلا طريقة أخرى للبقاء في المكان ذاته، بينما يواصل الوطن السقوط.



