رأي

سودان بلا أفق

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

مشهد يزداد قتامة وانسدادًا

لا يبدو المشهد السوداني اليوم مجرد أزمة سياسية أو صراع مسلح عابر، بل حالة انسداد تاريخي تتراكم فيها الفواجع، وتتآكل معها فرص الخروج الآمن. فالحرب، مع استمرارها، لم تعد مجرّد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت إلى آلية لإعادة إنتاج الانقسام الاجتماعي، وإلى وقود لتفكيك ما تبقى من فكرة الدولة. تتزايد القتامة يومًا بعد يوم، ويتسع الفراغ بين ما هو قائم وما يمكن تخيّله كحل، حتى باتت الإجابة عن سؤال “إلى أين يتجه السودان؟” أكثر غموضًا من أي وقت مضى.

المؤكد الوحيد في هذا المشهد هو غياب المؤكدات: لا أحد يستطيع الجزم بأن الحرب ستنتهي قريبًا، ولا توجد مؤشرات جدية على مسار سياسي قادر على وقفها. كما لا يمكن الجزم ببقاء السودان موحدًا، ولا التنبؤ بانقسامه، لأن الدولة نفسها باتت كيانًا هشًا معلقًا بين التفكك والاستمرار القسري. هذه المنطقة الرمادية هي الأخطر، لأنها تسمح باستدامة الفوضى دون حسم.

حرب تعمّق الانقسام الاجتماعي

أخطر ما أنتجته هذه الحرب هو إعادة تشكيل المجتمع على أسس الكراهية والخوف. تصاعد خطاب العنصرية بشكل غير مسبوق، وتحوّلت الهويات إلى متاريس، وأُعيد تعريف الانتماء لا بوصفه رابطة وطنية جامعة، بل كحدّ فاصل بين “نحن” و“هم”. هذا التحول لا يحدث تلقائيًا، بل يُغذّى بخطاب سياسي وإعلامي يستثمر في الانقسام، ويبرره بوصفه “حتمية الصراع”.

الحرب لم تقتل الناس فقط، بل شوّهت الوعي الجمعي. فالأجيال التي تنشأ في هذا المناخ تتشرّب منطق الإقصاء، وتفقد تدريجيًا القدرة على تخيّل دولة تتسع للجميع. ومع استمرار هذا المسار، يصبح السلام نفسه فكرة غريبة، لا مطلبًا شعبيًا جامعًا.

الدولة بين فشل النخب وتهميش الأغلبية

منذ الاستقلال، ظل السودان محكومًا بمعادلة غير عادلة: نخبة ضيقة تحتكر السلطة والثروة، ومجموعات واسعة مهمشة تُستدعى فقط عند الحاجة، إما كوقود للحروب أو كأدوات لإعادة إنتاج السيطرة. سبعة عقود من الحكم لم تنتج دولة قومية، بل دولة مائلة لصالح المركز، تُدار بعقلية الأوليغارشية، وتُغلف إخفاقها بشعارات السيادة والاستقرار.

السياسات المتعاقبة لم تسعَ لمعالجة جذور الأزمة، بل عملت على إدارتها عبر آليات “فرّق تسد”. جرى توظيف التناقضات الاجتماعية، وإشعال النزاعات المحلية، وإعادة ترتيب التحالفات الهشة، بما يضمن بقاء السلطة في يد قلة، حتى لو انهارت الدولة نفسها.

تناقض الاصطفافات وانهيار التحالفات

من أكثر سمات اللحظة الراهنة إدهاشًا هو طبيعة الاصطفافات السياسية. فالمشهد يبدو للوهلة الأولى مكتظًا بالتحالفات، لكنه في العمق يعاني فراغًا كاملًا من التفاهمات الحقيقية. لم يعد هناك تعويل على خلق توافقات، حتى داخل الكيانات التي يُفترض أنها متقاربة في الأهداف.

التناقضات داخل التحالف الواحد أصبحت أكثر حدّة من التناقضات بين الخصوم. كل طرف يتحرك بدافع النجاة الذاتية، لا برؤية وطنية شاملة. وبهذا المعنى، فإن السياسة السودانية تعيش لحظة تفكك داخلي، حيث تتآكل الثقة، وتسقط اللغة المشتركة، ويصبح الاتفاق مستحيلًا حتى على الحد الأدنى.

الرباعية وحدود الدور الإقليمي

تطرح المبادرة الرباعية نفسها بوصفها مخرجًا محتملًا، لكنها تواجه تحديات بنيوية تجعل اختراقها للمشهد أمرًا بالغ الصعوبة. فتركيبتها تضم دولًا لا يمكن وصفها بالحياد تجاه الصراع في السودان. بل إن مواقف بعضها تبدو أقرب إلى الانحياز منها إلى الوساطة.

السرديات التي تطرحها مصر والسعودية، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على “مؤسسات الدولة”، تتجاهل حقيقة أن هذه المؤسسات نفسها هي جزء أصيل من الأزمة. فهي مؤسسات معطوبة، غير قومية، ومرتهنة تاريخيًا لمصالح خارجية، وهو ما جعلها عاجزة عن إنتاج الاستقرار. التشديد على الإبقاء عليها دون إصلاح جذري ليس حلًا، بل وصفة لإعادة تدوير الفشل.

الإقليم وصراع المصالح المتقاطعة

يبدو الموقف المصري السعودي متقاربًا إلى حدّ التطابق، ما يُضعف فرضية الحياد. في المقابل، يتخذ الموقف الإماراتي مسارًا مختلفًا، خاصة في ما يتعلق برفض أي دور مستقبلي للإسلامويين في العملية السياسية، وهو موقف يقترب بشكل أو بآخر  من رؤية قوى مدنية ترفض إعادة إنتاج الماضي.

هذا التباين الإقليمي لا يُترجم إلى توازن، بل إلى شلل. فكل طرف إقليمي يسعى لتثبيت نفوذه أو حماية مصالحه، دون اكتراث حقيقي بإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة. وفي ظل هذا التشابك، تصبح أي مبادرة غير قادرة على تجاوز حسابات الرعاة الإقليميين.

أدوار دولية متقاطعة بلا حسم

على المستوى الدولي، يواصل الاتحاد الأوروبي التأكيد على أن مسؤولية إنهاء النزاع تقع على عاتق طرفي القتال، مع التشديد على ضرورة الحكم المدني. هذا الموقف ينسجم إلى حد كبير مع الرؤية الأمريكية، وكذلك مع الموقف الإماراتي الرافض لعودة الإسلامويين. لكنه، رغم وضوحه النسبي، يظل عاجزًا عن فرض مسار عملي على الأرض.

أما الاتحاد الأفريقي، فيبدو مكبّلًا بتأثيرات إقليمية، وعلى رأسها النفوذ المصري، ما يحدّ من قدرته على لعب دور مستقل. وقد برز هذا الضعف بوضوح من خلال تصريح رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، خاصة بعد الإشادة بمبادرة صادرة عن سلطة بورتسودان.. الامر الذي تم رفضه بشدة من القوي السياسية والمدنية حيث صدرت بيانات سياسية تستنكر موقف المفوضية المنحاز علي تعبير كل ما تحالفي تأسيس .. وصمود .. ما يعزز فرضية ان التحالفين لديهما مواقف متطابقة ومنسجمة الي حد كبير مع الرؤية الأمريكية والاماراتية وموقف الاتحاد الأوروبي.

نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات

السودان يقف اليوم عند مفترق طرق بلا لافتات. لا توجد خريطة طريق متفق عليها، ولا قوى قادرة على فرض حل شامل. الحرب مستمرة، والانقسام يتعمّق، والمبادرات تتكاثر دون أثر. وفي ظل هذا كله، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن إعادة تأسيس الدولة، أم أن ما نشهده هو مخاض تفكك طويل؟

ما هو واضح أن العودة إلى ما قبل الحرب لم تعد ممكنة. السودان الذي كان بكل علاته لم يعد موجودًا. والخيار المطروح ليس بين الاستقرار والفوضى، بل بين إعادة تأسيس مؤلمة، أو استمرار الانهيار بشكل بطيء. وفي غياب إرادة وطنية جامعة، سيظل هذا البلد عالقًا في منطقة الظل، حيث لا نصر يُحسم، ولا سلام يُولد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!