
مؤيد الأمين
مقدمة
في مشهد يعكس أبشع صور الانتقام السياسي في السودان، أقدم النظام الإخواني (الكيزاني) على إجبار آلاف المعلمين والأطباء على العودة إلى العاصمة الخرطوم، رغم أنها تحولت إلى بيئة طاردة للحياة بعد استخدامها كأسلحة محرمة دولياً، وعلى رأسها الأسلحة الكيماوية. هذه الخطوة ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل الاستهداف الممنهج لكل من لعب دوراً بارزاً في إشعال ثورة ديسمبر المجيدة، التي أطاحت بحكم الإخوان المسلمين في 2019، قبل أن يعودوا لاحقاً عبر تحالفات عسكرية وسياسية مشبوهة، ويطلقوا أيديهم في الانتقام من خصومهم.
لقد أصبحت الخرطوم اليوم مدينة يسكنها الموت أكثر مما يسكنها البشر: أمراض متفشية، سموم قاتلة في الهواء والماء، وانهيار كامل في الخدمات الأساسية. ومع ذلك، يُصرّ النظام الإخواني على فرض “عودة إجبارية” للأطباء والمعلمين، وكأن الهدف ليس تسيير المرافق العامة، وإنما الانتقام المباشر ممن رفضوا حكمهم وأسقطوا نظامهم ذات يوم.
الخرطوم بعد الكيماوي: مدينة خارج شروط الحياة
بعد أن لجأ النظام الإخواني لاستخدام الأسلحة الكيماوية في الخرطوم، لم تعد العاصمة السودانية مكاناً يصلح للسكن. تقارير محلية وأخرى دولية حذّرت من أن مستويات التلوث وصلت إلى مستويات قاتلة، فيما انتشرت أمراض تنفسية حادة وسط السكان، بالإضافة إلى أمراض جلدية وحالات تسمم جماعي.
في ظل هذا الواقع المأساوي، يُطرح السؤال الجوهري: كيف يمكن للنظام أن يطالب الأطباء والمعلمين بالعودة؟ هل الهدف هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن هذه السياسة المدمّرة لا تعدو كونها “فخاً قاتلاً” لمن كانوا في مقدمة ثورة ديسمبر؟
استهداف الأطباء: عقاب على دور إنساني
منذ اندلاع ثورة ديسمبر 2018، كان الأطباء في طليعة الثوار. المستشفيات تحولت إلى غرف طوارئ للثوار المصابين، والأطباء لعبوا دوراً محورياً في فضح جرائم الأجهزة الأمنية والإخوانية بحق المتظاهرين. لذلك، كان من الطبيعي أن يضعهم النظام في قائمة أعدائه الأوائل.
اليوم، حين يجبر النظام الأطباء على العودة إلى بيئة موبوءة بالكيماوي والأوبئة، فهو في الحقيقة يطلق حكم إعدام بطيء بحقهم. كيف يمكن لطبيب أن يعمل وسط بيئة مسمومة، بلا كهرباء مستقرة ولا أدوية ولا معدات طبية؟ وكيف يمكن له أن ينقذ الأرواح وهو نفسه مهدد بالموت؟
هذه السياسة تكشف بوضوح أن الهدف ليس “إحياء قطاع الصحة”، بل “تصفية قطاع الأطباء”.
المعلمون في مرمى الاستهداف
المعلمون، بدورهم، كانوا من أبرز القوى الفاعلة في الثورة. النقابات التعليمية قادت إضرابات متكررة أسهمت في شلّ النظام الإخواني وكشف هشاشته. ولذلك، فإن إجبارهم اليوم على العودة إلى الخرطوم ليس إجراءً وظيفياً، بل رسالة عقابية واضحة: “عودوا إلى الجحيم الذي صنعناه لكم، أو اقبلوا مصيركم”.
المفارقة أن وزير التربية نفسه لم يعد إلى الخرطوم، ولم يستأنف عمله من مكاتب الولاية، لكنه مع ذلك يفرض على بقية المعلمين العودة. هنا يتجلى النفاق السياسي بأبشع صوره: من يملك السلطة يحتمي، ومن لا يملكها يُدفع إلى الموت.
البعد الانتقامي: تصفية حسابات ما بعد ديسمبر
الحملة الجارية لا يمكن فصلها عن الحقد المتراكم في نفوس الإخوان منذ سقوطهم في أبريل 2019. الثورة لم تكتفِ بإسقاط حكمهم، بل عرّت فسادهم وأظهرت وجههم الدموي أمام العالم. لذلك، فإن عودتهم لاحقاً عبر الحرب والتحالف مع المليشيات لم تكن عودة طبيعية، بل عودة مشبعة بالرغبة في الانتقام.
إجبار الأطباء والمعلمين على العودة للخرطوم يدخل في إطار “التصفية الناعمة”: قتل بالسموم، بالمرض، بالإرهاق، وبالبيئة الموبوءة، دون الحاجة إلى رصاص أو سجون. إنها سياسة “الموت البطيء” التي ينتهجها النظام لتصفية أعدائه بطريقة ممنهجة.
الخرطوم: من عاصمة وطن إلى مقبرة جماعية
من يتجول اليوم في الخرطوم – حسب شهادات الناجين – لا يرى سوى مدينة أشباح. الأسواق خالية، المستشفيات مدمرة، المدارس مغلقة، والهواء مشبع برائحة المواد السامة. ومع ذلك، فإن النظام يصرّ على إعادة رموز المجتمع إليها.
الأطباء والمعلمون ليسوا مجرد موظفين، بل هم العقول التي يعتمد عليها المجتمع للنهوض من الكارثة. لذلك، فإن استهدافهم يعني عملياً ضرب العمود الفقري للمجتمع السوداني. إنهم يريدون جيلاً بلا تعليم، ومجتمعاً بلا صحة، وبذلك يضمنون أن تبقى البلاد رهينة فوضى ومرض وجهل.
التناقض الفاضح: وزير التربية نموذجاً
من أكثر المفارقات صدمة أن وزير التربية نفسه، المسؤول الأول عن قطاع التعليم، لم يعد إلى الخرطوم، مفضلاً البقاء بعيداً عن الجحيم. لكنه في الوقت ذاته يفرض على المعلمين العودة.
هذا السلوك يعكس عقلية الاستعلاء والنفاق التي تميز الإخوان المسلمين: “افعلوا ما نقول ولا تفعلوا ما نفعل”. فهم لا يرون في المعلمين والأطباء سوى أدوات يمكن التضحية بها، بينما هم يحتفظون لأنفسهم بالنجاة.
ردود الفعل المحلية والدولية
على المستوى المحلي، واجهت هذه السياسات رفضاً واسعاً. لجان المقاومة اعتبرت أن إجبار الأطباء والمعلمين على العودة هو “مجزرة مؤجلة”، فيما أعلنت بعض النقابات رفضها تنفيذ القرار.
أما دولياً، فقد صدرت تقارير منظمات حقوقية تدين هذه الإجراءات وتصفها بأنها “جريمة ضد الإنسانية”. فإجبار المدنيين على العودة إلى مناطق ملوثة بالأسلحة الكيماوية يتعارض مع القانون الدولي الإنساني، ويشكل نوعاً من التهجير القسري إلى مناطق الموت.
الأبعاد الإنسانية: معاناة الأسر
لا ينبغي أن نغفل الجانب الإنساني من هذه الكارثة. آلاف الأسر تعيش اليوم بين خيارين أحلاهما مرّ: إما أن يعودوا إلى الخرطوم ليعيشوا في الجحيم، أو أن يبقوا في النزوح ليواجهوا الفقر والجوع وانعدام الأمان.
الأطفال بلا مدارس، المرضى بلا علاج، الأسر بلا مأوى. هذا هو الواقع الذي صنعه النظام الإخواني بدم بارد، وهو واقع يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي السوداني لعقود قادمة.
الخلاصة: انتقام يهدد مستقبل السودان
ما يجري اليوم في السودان ليس مجرد “قرارات إدارية”، بل هو سياسة انتقامية كاملة الأركان. النظام الإخواني يسعى لتصفية كل من شارك في ثورة ديسمبر عبر إجبارهم على العودة إلى الخرطوم الملوثة بالكيماوي، وتحويل المدينة إلى مقبرة جماعية لخصومه.
إنها حرب صامتة، لا يُسمع فيها صوت الرصاص، لكن ضحاياها يُعدّون بالآلاف. حرب على التعليم، على الصحة، على الوعي، وعلى كل ما يمكن أن ينهض بالسودان من جديد.
التاريخ سيكتب أن الإخوان المسلمين لم يكتفوا بإشعال الحرب وتدمير البلاد، بل سعوا أيضاً لقتل الأمل في النفوس، والانتقام من كل من حلم بوطن حر كريم.




