رأي

تحالف السلاح والوعي الزائف في بنية الصراع السوداني

د. حافظ إبراهيم عبدالنبي

 

د. حافظ إبراهيم عبدالنبي

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين قوى متنازعة، بل تحوّلت إلى بنية معقّدة يتشابك فيها العنف مع أنماط وعي مُعاد إنتاجها لخدمة السلطة. ففي قلب الصراع، يتشكّل تحالف خطير بين السلاح والوعي الزائف، تحالف لا يكتفي بإدامة الحرب، بل يعمل على إعادة إنتاج الدولة المختطفة بأدوات محلية، وعلى رأسها قوى خرجت من الهامش لتؤدي وظيفة الحراسة لصالح المركز.

يستحضر هذا المشهد، على نحوٍ لافت، مفهوم House Negro الذي قدّمه Malcolm X بوصفه توصيفًا للوعي الذي يتماهى مع سلطة القهر، ويدافع عنها باعتبارها شرطًا للبقاء. فكما كان “عبد البيت” يرى في سلامة بيت سيده ضمانًا لسلامته، تتبنّى بعض القوى المسلحة اليوم خطاب المركز، وتعيد توجيه بنادقها خارج مسار التحرر، دفاعًا عن بنية طالما قمعت مجتمعاتها، وحرمتها من أبسط حقوقها السياسية والاقتصادية.

إن أخطر ما في هذا التحالف أنه لا يقوم على الإكراه وحده، بل على إعادة تشكيل الإدراك السياسي ذاته؛ حيث يُقدَّم بقاء الدولة القديمة باعتباره ضرورة وطنية، بينما يُصوَّر تفكيكها كفوضى أو تهديد وجودي. في هذا السياق، يتحول السلاح من أداة مقاومة إلى وسيلة ضبط اجتماعي، ويتحوّل الوعي من رافعة تحرر إلى غطاء أخلاقي للعنف بالوكالة.

تفضي هذه المعادلة إلى نتائج كارثية على مستوى المجتمع والدولة معًا. فبدل أن تتجه البنادق نحو بنية الهيمنة التي أنتجت الأزمة، تُوجَّه نحو المدنيين، والنازحين، وقوى التغيير، وتُفكَّك وحدة الهامش عبر صراعات داخلية مدمّرة. وفي المقابل، تبقى البنية الحقيقية للأزمة بنية المركز المهيمن خارج مرمى المساءلة، مستفيدة من وكلاء يمنحون بقاءها شرعية زائفة.

ليست هذه الظاهرة استثناءً في التاريخ السياسي، لكنها في الحالة السودانية تأخذ طابعًا أكثر خطورة، لأنها تُغذّي دورة عنف تُبدّل أشكالها دون أن تمسّ جوهرها. فكلما طال أمد هذا التحالف بين السلاح والوعي الزائف، تراجعت فرص التحول المدني، وتعمّقت القطيعة بين الدولة ومجتمعها، واتسعت هوة الثقة التي لا يمكن ردمها إلا بإعادة تعريف الدولة من جذورها، لا بإعادة تدوير أدواتها.

إن كسر هذا التحالف ليس مهمة عسكرية بالأساس، بل معركة وعي في المقام الأول؛ معركة تفصل بين المقاومة الحقيقية والعنف بالوكالة، وبين الوطنية بوصفها مشروع تحرير، والوطنية المُقنّعة التي تُستخدم لتبرير القمع وإدامة السيطرة. ودون هذا الكسر، سيظل السودان يدور في حلقة مفرغة، حيث تتغيّر الوجوه وتبقى البنية، ويتبدّل السلاح ويبقى الوعي الزائف حارسًا أمينًا للسجّان.

الخلاصة

إن تحالف السلاح والوعي الزائف في بنية الصراع السوداني ليس انحرافًا عارضًا، بل آلية مركزية لإدامة الأزمة. فهو التحالف الذي يسمح بإعادة إنتاج الدولة المختطفة دون أن تتحمل كلفة المواجهة المباشرة، ويحوّل أبناء الهامش إلى أدوات تنفيذية في صراع لا يخدم سوى بقاء المركز وهيمنته. في هذا السياق، لا يُقاس العنف بحدّته العسكرية، بل بقدرته على إعادة تدوير الوعي نفسه، بحيث يبدو القهر خيارًا وطنيًا، وتُقدَّم التبعية بوصفها واقعية سياسية.

إن أخطر ما في هذا المسار أنه يُفرغ مفاهيم الوطنية من مضمونها، ويحوّل الصراع من معركة تحرر إلى صراع مواقع داخل بنية لم تتغيّر. فحين يخدم السلاح وعيًا زائفًا، يصبح العنف أداة ضد المجتمع لا وسيلة لحمايته، وتتحول الحرب إلى حلقة مغلقة يتآكل فيها الهامش، بينما تتجدد شرعية المركز بأسماء وأدوات مختلفة.

وعليه، فإن كسر دائرة العنف في السودان لا يمرّ عبر إعادة توزيع السلاح، بل عبر تفكيك التحالف بين السلاح والوعي الزائف، وإعادة بناء وعي سياسي يرى في تفكيك بنية الدولة المختطفة شرطًا لأي سلام مستدام. فبدون هذا التحول الجذري، ستظل الحرب تتناسخ، وستظل القوى ذاتها—وإن تبدلت شعاراتها—تحرس السجن وتعيد طلاء جدرانه.

لا يمكن تحرير السودان بسلاحٍ لا يرى عدوه الحقيقي، ولا بوعيٍ تعلّم التعايش مع القيد.

5 يناير . 2026 م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!