
فاطمة لقاوة
ما يُسمّى بخطة السلام ليس إختراقاً دبلوماسياً ولا ثمرة ضغوط إنسانية، بل مشروع وصاية أمريكي مكتمل جرى إنضاجه في واشنطن، وتوزيع أدواره بدقة بين الرباعية، والأمم المتحدة، ونُخب سودانية قبلت أن تكون أدوات تنفيذ.
تصريحات بولس مسعد لم تكشف مساراً تفاوضياً، بل سرّبت مضمون إتفاق جاهز، لم يعد ينتظر سوى لحظة الإعلان.
القرار أمريكي خالص،الرباعية مجرد واجهة، والأمم المتحدة ستُستَخدم كختم شرعي أولي، تمهيداً لتجاوزها لاحقاً عبر مجلس السلام الترامبي إذا تعطل التنفيذ داخل مجلس الأمن.
هذا يعنى أن السودان مرشّح ليكون أول دولة تُدار خارج منظومة الشرعية الدولية التقليدية، وتحت إدارة سلام أمريكي مباشر، كما حدث – ويُراد أن يحدث – في غزة،عبد الفتاح البرهان وقيادة الجيش لم يكونوا مفاوضين، بل أطرافاً مُلزَمة.
الإقامة الطويلة للوفدين العسكريين في واشنطن، وبقاء الفريق مفضل، والتنقل المكثف لوزير الخارجية، كلها دلائل على أن الالتزام العسكري أُخذ كاملاً، وأن أي خروج عن الإتفاق سيُواجَه بالإقصاء والعقوبات ورفع الغطاء الدولي.
قوات الدعم السريع، فقد جرى التعامل معها كرقم لا يمكن شطبه، لا كما تتوهم عصابة بورتسودان بأن يجب تصفيتها عسكريا،واخراجها من مستقبل السودان الإقتصادي و السياسي.
الإسلامويين محاصرين بتصنيف الإرهاب،أن سعوا محاولين إعاقة المشروع الأمريكي في السودان.
السلام هنا لا يُبنى على العدالة، بل على توازن قوى يسمح بإدارة الخراب دون إنفجاره من جديد، ولو على حساب دماء المدنيين.
في المقابل، أُعيد ترتيب المسرح المدني بعناية، تحالف تأسيس ليس خارج هذه الصفقة، بل في قلبها،لكنه ليس شريكاً في صياغتها، بل وعاء سياسي يُعاد تشكيله: من يقبل بالخطوط الأمريكية العريضة يبقى، ومن يتمسك بمشروع جذري مستقل يُستبعَد.
هنا يصبح وجود عبد العزيز الحلو ، وجوداً مشروطاً:
التوقيع مقابل الضمانات، أو العزلة السياسية الكاملة.
واشنطن لا تحتمل مشاريع كبرى خارج سيطرتها، بل تسعى لاحتوائها أو تفكيكها.
عبد الواحد محمد نور، مصيره في هذا المسار محسوم: الإقصاء الصامت،الرجل يرفض التسويات المفروضة، ولا يقبل أن يكون جزءاً من سلام بلا عدالة حقيقية في نظره ،لذلك لا مكان له في هندسة تُدار من الخارج.
لن يُستهدَف عسكرياً، بل سيُحاصَر سياسياً، ويُقدَّم كمعطِّل للسلام، تمهيداً لعزله دولياً.
صمود تُعتبر الإبن المُدلل في هذة الصفقة و حصان طراوده للغرب عموما.
إعلان واشنطن مؤتمر الدعم الإنساني وضخ المليارات، وفتح مطار الخرطوم قبل الإعلان عن الإتفاق، ليست إجراءات حسن نية، بل خطوات تنفيذ مبكر، تؤكد أن الإتفاق دخل حيّز التطبيق فعلاً، وأن ما تبقى مجرد إخراج إعلامي.
هذا السلام قد يوقف الحرب،لكنه في المقابل ينزع القرار الوطني عَلنا -“نحن نعلم بأن عجلة الدولة السودانية معطوبة منذ الإستقلال،بسبب إرتهان الأحزاب السودانية وخاصة الحزبين الكبيرين ،والعسكر للخارج من تحت الطاولة”حكاية سيدي بسيده-من أيدي السودانيين، ويستبدله بإدارة دولية، وحكومة مُعيّنة، وسيادة منقوصة، تحت لافتة إنسانية براقة.
الخطر الحقيقي ليس في الخارج وحده، بل في نخب سودانية عسكرية ومدنية قبلت أن تُدار، لا أن تحكم، وراهنت على السلطة ولو على حساب الوطن.
في سلام واشنطن، لا يُكافأ من حمل مشروعاً وطنياً مستقلاً،
بل من قبل أن يكون وكيلاً.
ومن يرفض، يُقصى، أو يُشيطَن.
هذا ليس سلاماً.
ولنا عودة بإذن الله
الجمعة،٦فبراير/٢٠٢٦م




