رأي

الـتأسيس على ركام الجهل.. هل نسيتم “الشهادة السودانية” في زحام الكراسي؟

زينب حسن سعيد

 

​زينب حسن سعيد 

​في دهاليز السياسة السودانية، حيث تعلو أصوات المحاصصات وتضج القاعات بخطابات التأسيس والشرعية، ثمة صمت مريب ومخجل يلف قضية هي الأهم، والأخطر، والأكثر مساساً بوجدان كل بيت سوداني. إنها قضية التعليم التي يبدو أنها سقطت سهواً –أو عمداً– من حسابات النخب التي تنشغل اليوم بتوزيع الحقائب وتناسي العقول.

​كيف نجرؤ على الحديث عن “دولة جديدة” و”تأسيس وطني” بينما يقف مئات الآلاف من طلابنا في أقاليم دارفور وكردفان على رصيف الانتظار القاتل؟ نحن لا نتحدث هنا عن أزمة عابرة، بل عن كارثة وطنية تتمثل في تراكم ثلاث دفعات من طلاب الشهادة السودانية منذ عام 2023، تحولوا بفعل الإهمال من طاقات للبناء إلى وقود محتمل لليأس والنزاع.

​إن تجاهل تفعيل وزارة التربية والتعليم في هذه المرحلة المفصلية، وترك منصب الوزير شاغراً أو ثانوياً، ليس مجرد خطأ إداري يمكن تجاوزه؛ بل هو “إعلان مبكر عن خلل في الرؤية”. إن الدولة التي تضع التعليم في ذيل اهتماماتها هي دولة تستثمر في “الجهل المستقبلي”، وتؤسس لفشل وطني لن تجدي معه كل ديباجات السياسة.

​ما يحدث لطلابنا في الأقاليم المهمشة، وتحديداً في دارفور وكردفان، هو تكريس جديد لسياسات “المركز” القديمة التي تدعي التغيير وتمارس التهميش بصمتها. إن حالة “التراخي والتماهي” في حسم استحقاق الشهادة السودانية هي طعنة في خاصرة المصداقية التي يدعيها التحالف الحالي. كيف ننتظر من الأسر التي فقدت ممتلكاتها وأمنها أن تثق في مشروع سياسي يعجز حتى عن فتح مدرسة أو تحديد موعد لامتحان؟

​إننا نطالب، وبصوت لا يقبل المواربة، بالآتي:

​تفعيل حقيبة التربية والتعليم فوراً: لا نريد وزيراً للتشريفات، بل قائداً وطنياً يمتلك ميزانية طوارئ وصلاحيات استثنائية لإنقاذ الموسم الدراسي.

​إعلان “خطة طوارئ تعليمية” ملزمة: بجدول زمني لا يخضع للمساومات السياسية أو الذرائع الأمنية الواهية. مستقبل أبنائنا في الفاشر، والأبيض، ونيالا ليس أقل شأناً من أي ملف أمني أو سياسي آخر.

​إن التاريخ لن يذكر عدد الاجتماعات التي عُقدت خلف الأبواب المغلقة، ولن ينبهر ببريق المناصب. التاريخ سيسأل سؤالاً واحداً: كم باباً للمستقبل فتحتم أمام أبناء هذا الشعب؟

​إن تجاهل التعليم هو أقصر الطرق لـ “وأد” مشروع التأسيس في مهده. فالدول لا تُبنى بالجيوش والتحالفات وحدها، بل تُبنى بالعقول التي تُصان كرامتها في قاعات الامتحان، قبل أن تُسحق آمالها في دهاليز النسيان.

​أفيقوا.. فإن صرخة طالب في دارفور أصدق من كل خطاباتكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!