
عبدالرحمن ابورندة… بنسلفانيا
ليست الأزمات الكبرى وليدة اللحظة، بل هي حصيلة تراكمات طويلة تصنعها الخيارات المؤجلة والأخطاء المتكررة والرهانات الخاطئة. وفي قلب هذا المشهد السوداني الملتبس تتزاحم أسئلة المستقبل، ومعها تتكشّف ثلاثة مسارات محتملة يمكن أن يتجه إليها البلد، في مرحلة تبدو الأكثر حساسية منذ عقود. وكما تقول الحكمة القديمة: من لا يقرأ إشارات الطريق سيعيد السير في الدرب ذاته مهما كثرت المنعطفات.
السودان اليوم يقف أمام لحظة تتقاطع فيها إرادات الداخل وضغوط الخارج وتطلعات الشعوب، بينما تتغير مواقف القوى الدولية والإقليمية بوتيرة متسارعة. ومع تزايد الإشارات بأن تسوية سياسية يجري إعدادها، تبدو البلاد مفتوحة على ثلاثة مسارات رئيسية، يملك كلٌّ منها شروطاً خاصة ومآلات مختلفة، لكنّها جميعاً ولدت من رحم واقع واحد: حرب طويلة أنهكت الدولة والمجتمع، وتركت ثغرات يمكن أن يتسلل منها أي احتمال.
المسار الأول هو استمرار الحرب وفشل أي تسوية مطروحة. هذا الاحتمال يظل قائماً طالما أن الثقة بين أطراف الصراع لا تزال في أدنى مستوياتها، وأن القوى المدنية تعاني من تشظٍ عميق يضعف قدرتها على لعب دور وطني جامع. ومع استمرار الصراع المسلح وغياب رؤية موحدة للسلام، فإن مؤسسات الدولة مهددة بمزيد من التآكل، وقد تظهر مراكز نفوذ موازية تتقاسم الجغرافيا والثروات وتفرض واقعاً جديداً يعيد إنتاج سيناريوهات مؤلمة عاشتها دول أخرى في المنطقة. ومع غياب سلطة مركزية فعّالة، قد يتحول السودان إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الخارجية، وهو طريق إذا فُتح فلن يُغلق بسهولة.
أما المسار الثاني فيتمثل في حالة توازن هش، تفرضه الضغوط الدولية المتزايدة والدفع الإقليمي نحو اتفاق سياسي يوقف الحرب. ويُرجّح أن هذا المسار قد يشهد خطوات أولية نحو التهدئة، لكنه يظل معرضاً للانهيار إذا وقعت موجة تصعيد عسكري مفاجئة أو تدخل خارجي غير محسوب. ويبدو أن التصريحات الأخيرة لبعض القوى الدولية تشير إلى رغبة في إنهاء حالة الانسداد السياسي، وربما الدفع نحو حل تفاوضي يعيد ترتيب المشهد. لكن التوازن وحده ليس ضمانة، فهو أشبه بجسر ضيق فوق وادٍ سحيق؛ خطوة خاطئة كفيلة بإعادة الجميع إلى نقطة الصفر.
المشهد السوداني لا يمكن فهمه اليوم دون قراءة الصراع بين مشروعين متناقضين تماماً. الأول هو مشروع إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة: دولة مواطنة لا مركزية، بجيش جديد مهني وموحد، وبفصل واضح بين السلطة الدينية والسياسية. هذا المشروع لا ينطلق من هاجس السلطة، بل من رؤية تسعى لبناء دولة حديثة قادرة على تجاوز أزماتها التاريخية الممتدة. إنه مشروع يعبّر عن طموحات جيل جديد يرفض إعادة إنتاج الأنماط القديمة من الحكم، ويرى أن السودان لا يمكن أن ينهض ما لم يُعِد تعريف ذاته من جذوره.
في المقابل هناك المشروع التقليدي الذي ما يزال يهيمن على جزء كبير من بنية الدولة، والذي يرى أن الجيش يجب أن يظل مركز السلطة وأن الدولة يجب أن تبقى محكومة بذات المنطق الذي ظل مهيمناً لعقود. وهذا المشروع ما يزال مرتبطاً ببقايا الحركة الإسلامية التي لا ترى في الدولة الوطنية الحديثة نموذجها المرجو، بل تتمسك بفكرة الدولة العقائدية ذات الامتدادات العابرة للحدود. وقد شكّل هذا المشروع على مدى سنوات طويلة تحالفاً قوياً بين العسكريين وأصحاب الامتيازات التاريخية، وهو تحالف لا يملك استعداداً كبيراً لتقديم تنازلات جوهرية قد تهدد نفوذه.
وفي زاوية أخرى يقف تحالف صمود باعتباره قوة مدنية، لكنه يعاني من فجوة كبيرة بين خطابه السياسي والواقع الاجتماعي، فلا يمثل بالكامل أهل المصلحة الحقيقيين، ولا يقدم نموذجاً شاملاً للقوى المهمشة التي كانت وقود الهامش طوال التاريخ السياسي الحديث للسودان. وغياب تمثيل هذه الفئات يجعل أي تسوية قابلة للانكفاء أو إعادة إنتاج الإقصاء القديم، وهو ما سيجعلها مجرد تسوية فوقية لا تحمل ضمانات الصمود.
وفي خضم هذا الازدحام المعقد، تتردد حكمة أخرى: من لم يملك صوت الحق في داخله سيُضيّعه في ضوضاء الخارج. فالمسارات الثلاثة ليست قدراً مكتوباً، بل هي نتاج الخيارات التي سيتخذها الفاعلون المحليون وقدرتهم على تجاوز الحسابات الضيقة من أجل مستقبل مشترك. السودان اليوم ليس بحاجة إلى حلول سريعة بقدر حاجته إلى رؤية تعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع، بين المركز والهامش، وبين القوة والقانون.
ويبقى الاحتمال الثالث هو الأكثر حاجة إلى شجاعة: مسار إعادة البناء عبر تسوية تاريخية حقيقية، لا تقوم على محاصصة ولا على موازنات مؤقتة، بل على إعادة صياغة مشروع الدولة نفسه. وهذا المسار وإن بدا صعباً، إلا أنه الأقل كلفة إذا ما قورن بغيره، لأنه وحده القادر على إعادة الثقة المفقودة بين المكونات المتصارعة، وعلى فتح الطريق نحو دولة لا يحكمها السلاح بل العقد الاجتماعي.
قيمة الإنسان بما يمنحه لا بما يملكه. كذلك قيمة الأمم بما تقدمه لمستقبلها لا بما تتمسك به من ماضٍ أثقلها. والسودان اليوم أمام فرصة تاريخية، إما أن يمسك بها فيولد من جديد، أو يتركها تفلت ليعود إلى الدائرة التي أنهكته عقوداً طويلة.




