أزمة الوعي في الواقع السوداني: جذور المشكلة، تجلياتها، وتجارب دولية مَع توصيات للخروج من المأزق
د.نصر الدين احمد إدريس الدومة

د.نصر الدين احمد إدريس الدومة
في صلب الأزمة السودانية الراهنة تكمن أزمة أعمق من الصراع المسلّح ذاته؛ إنها أزمة الوعي الوطني — أزمة تتجذّر في ضعف الفهم المشترك للواقع، وانقسامات معرفية وسياسية واجتماعية، أدّت في آخر المطاف إلى تفكيك اللحمة الوطنية ودفع البلاد نحو الانزلاق في دوامة العنف.
أولًا: مفهوم أزمة الوعي في السياق السوداني
أزمة الوعي ليست مجرد جهل معلوماتي أو قلة تعليم؛ بل هي فقدان الإطار الجماعي المشترك لفهم الواقع، القرارات، والسياسات، والمسار الوطني. ينطوي الوعي هنا على:
الفهم الواعي للتاريخ والسياسة والمصلحة الوطنية
القدرة على التمييز بين المعلومات الموثوقة والشائعات
التفاعل الاجتماعي والسياسي بعقلانية ومسؤولية
الالتزام بالقيم المشتركة فوق الانقسامات
فحينما تفقد المجتمعات هذا الوعي المشترك، تتصدّع اللحمة الوطنية، وتنتشر الانشقاقات، وتبرز النزعات الانفعالية، ويتحوّل الناس إلى أدوات في يد المتلاعبين بالرأي العام.
ثانيًا: أبعاد أزمة الوعي في السودان
1. البعد السياسي
يتجلى في:
تناحر القوى السياسية على السلطة بدلًا من الحوار الوطني
تشظّي الخطاب السياسي إلى صراعات نفعية
تسييس الهوية الوطنية نحو انقسامات مناطقية/قبلية/أيديولوجية
انتشار ثقافة العداء بدل ثقافة الاختلاف العقلاني
نتيجة لذلك، تصبح المصلحة العليا للوطن ضحية للخطاب الانفعالي والمصالح الحزبية الضيقة.
2. البعد الاجتماعي
يتجسد في:
فقدان ثقافة الحوار في المجتمع
انتشار التضاد الاجتماعي بين فئات المجتمع
ضعف مفاهيم المواطنة المشتركة
زيادة تأثير الخطابات المتطرفة والخرافات
عوضًا عن أن يكون المجتمع منبرًا للحوار والبناء، يصبح ساحة صراع بين روايات متنافرة لا تُنتج حلولًا.
3. ضعف دور المؤسسات
تمثّل جوهر الأزمة في:
غالبية المؤسسات الوطنية عاجزة عن لعب دورها في توجيه الوعي
حالة تفريغ للمؤسسات من محتواها الأخلاقي والعملي
استراتيجيات إعلامية ضعيفة، غير قادرة على مواجهة التضليل
حتى عندما تتحدث هذه المؤسسات، تكون رسائلها ضعيفة التأثير أو متباعدة عن نبض الناس.
4. ضعف الجامعات ودور المثقف
ينخفض تأثير:
الجامعات كمراكز للبحث والتنوير
المثقفين كحراس للضمير الوطني
فبدل أن يقود المثقّف حوارًا يرتقي بالوعي، نجده في كثير من الحالات:
منغمسًا في الانقسامات السياسية
متبرئًا من المسؤولية الوطنية
حياديًا حدّ الصمت الإكلينيكي تجاه القضايا الكبرى
النهاية؟ وهن في الإنتاج المعرفي، وتراجع في الفعل الاجتماعي، وخواء في الخطاب القيمي.
ثالثًا: لماذا أدّت أزمة الوعي إلى الحرب؟
انهيار الفهم المشترك بين المواطنين وصنّاع القرار هو وقود الحرب:
1. غياب منصة مشتركة للحوار
يؤدي إلى احتدام الخلافات بدل حلّها بالتفاوض العقلاني.
2. استحواذ الخطاب الانفعالي على الساحة
تتحوّل الحقائق إلى سلاح في الحرب الإعلامية أكثر من كونها أدوات للمعرفة.
3. ضعف المؤسسات الوسطية
لا توجد قوى مجتمعية قادرة على تجميع الأطراف، بل تنحصر السلطة في أيادي غير مسئولة ذات مصالح الضيقة.
4. تفكك الوعي المشترك
يصبح كل فصيل يعيش في قوقعته المعرفية، ما يجعل أي اتفاق صعبًا ومستحيلًا.
رابعًا: تجارب دول مرت بما يمر به السودان
1. جنوب أفريقيا بعد الأبارتايد
رغم اختلاف السياق، واجهت جنوب أفريقيا:
انقسامات عميقة بين الأعراق
إرث كراهية وعنف
صراع على الوعي الوطني
المخرج:
إطلاق لغة وطنية شاملة للحوار والمصالحة، ترافقها مؤسسات قوية للتعليم المدني، ووقفات مؤسسية تحترم التعددية دون تحيّز.
2. رواندا بعد الإبادة الجماعية
بعد العنف الطائفي:
طُرح مشروع التعايش القسري عبر التعليم والمصالحة
إنشاء محاكم الجيرة (Gacaca) لحوار داخلي بين المجتمعات
الدروس المهمة:
لا يمكن تجاهل الوعي الجماعي بعد الصراع
المصالحة لا تبني نفسها؛ بل تحتاج أدوات ثقافية واجتماعية
3. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية
واجهت ألمانيا:
ثقافة عنصرية عميقة
انهيار القيم الوطنية
تجربة قيمة:
الدولة وضعت منهاجاً تربوياً جديداً يركز على الوعي الديمقراطي والقيم الإنسانية، وتحميل الامة الألمانية مسؤولية تاريخها دون إنكار.
خامسًا: توصيات للخروج من أزمة الوعي في السودان
أولاً: تأسيس منصة وطنية للحوار
ينبغي إيجاد:
مؤسسة مستقلة
تضم قوى مدنية، حزبية، دينية، شبابية
هدفها بناء رؤية وطنية مشتركة
ثانيًا: تعزيز دور الجامعات كمراكز للوعي
تحوّل الجامعات من:
اماكن تكديس معلومات
إلى
منصات للتفكير النقدي، وبحث السياسات، والفعل المدني
المطلوب:
مناهج تدريسية تربط المعرفة بالواقع
دورات في المواطنة والحوار
أبحاث استراتيجية تخدم الوطن
ثالثًا: إعادة تفعيل المثقف الوطني
بدلاً من:
الانزواء
أو الانخراط السياسي الانفعالي
ينبغي للمثقف:
السعي لتشكيل جسور فهم بين الناس وصانعي القرار
كتابة وتحليل دون تبعية حزبية
قيادة النقاش حول القضايا الجوهرية
رابعًا: بناء إعلام واعٍ ومسؤول
إعلام:
موضوعي
يعالج تناقضات المجتمع
يقدّم خيارات بديلة قائمة على المعرفة وليس الخطاب الانفعالي
خامسًا: تعميم الثقافة المدنية
ليس عبر الشعارات، وإنما من خلال:
تعليم قيم المواطنة
برامج للحوار بين المجموعات المختلفة
أنشطة شبابية مشتركة
سادسًا: خاتمة – إلى أين نتجه؟
أزمة السودان ليست مجرد معارك مسلّحة؛ بل هي صراع على الوعي.
ولأن الحرب في جوهرها صراع على الرواية، فإن السلام الحقيقي لا يُبنى إلا على وعي جديد — وعي يقدّر الاختلاف، يحترم القانون، وينطلق من المصالح الوطنية العليا.
ينطلق ذلك من:
مؤسسات واعية
جامعات منتجة للمعرفة
مثقفين يقودون الفعل لا يهاجرون عنه
مجتمع قادر على استيعاب الاختلاف والحوار
وفي غياب هذه العوامل، ستبقى الأزمة مجرد حلقة مفرغة من النزاع ودورة مستمرة من الانقسامات.




