سلسلة كشف المستور (4) عقدة النخبة – “الأفندي المخصي سياسياً من أنزارا إلى بابنوسة: مؤامرة المركز لقتل الإنتاج في الهامش وإبقائه “مستعمرة استهلاكية”
مجدي محمد مصطفى ماكن

مجدي محمد مصطفى ماكن
إذا كان اغتيال “مشروع الجزيرة” جريمة دافعها الطمع والفساد، فإن تدمير المشاريع الصناعية في الهامش (الغرب والجنوب) هو جريمة دافعها “الهيمنة والتركيع”. الأفندي في الخرطوم لديه عقيدة اقتصادية شيطانية ورثها عن سادته المستعمرين، تقول: الأطراف (الهامش) يجب أن تظل بدائية. دورها الوحيد هو إرسال المواد الخام (قطن، ماشية، صمغ، بترول) إلى المركز، ثم شراء البضائع المصنعة من المركز. أي محاولة لكسر هذه الدائرة، وأي محاولة لبناء “صناعة” في الهامش، تعتبر “إعلان استقلال” اقتصادي يهدد سيطرة الخرطوم، ولذلك يجب تدميرها فوراً. ولنا في قصتي (مجمع أنزارا) و(مصنع بابنوسة) الدليل الدامغ.
مجمع أنزارا: “الفردوس المفقود” الذي خافته الخرطوم هل يصدق جيل اليوم أن مدينة صغيرة في أقصى جنوب السودان (أنزارا – في ولاية غرب الاستوائية) كانت في يوم من الأيام تلبس مما تنسج، وتأكل مما تصنع، وتغسل بصابون تنتجه أرضها؟ في الأربعينيات، أسس الإنجليز “مشروع الزاندي” ومجمع أنزارا الصناعي. كان حلماً تنموياً متكاملاً:
– مزارع للقطن، ومصانع للنسيج والغزل (ينتج الدمورية والدبلان).
– معاصر للزيوت، ومصانع للصابون.
– مزارع للبن، ومصانع لتعليب الفواكه. كانت المنطقة تكتفي ذاتياً، بل وتصدر الفائض. كان المواطن هناك “عاملاً ومنتجاً”، يمتلك كرامة الكسب من عرق جبينه.
ماذا فعل الأفندي “الخصي” بهذا المجمع؟ بمجرد خروج الإنجليز، بدأ الإهمال المتعمد. ثم جاءت الحرب الأهلية التي أشعلتها سياسات المركز الإقصائية لتكمل المهمة. لكن الحقيقة المخفية هي أن الخرطوم لم تكن راغبة في إعادة تشغيله. الأفندي التاجر في الخرطوم يريد أن يبيع لأهل الجنوب “الملابس المستوردة” و”الصابون المصنوع في الخرطوم”. لا يريد لهم أن ينتجوا. تم تدمير أنزارا، وتحولت الماكينات إلى خردة، وعاد المواطن الذي كان “عاملاً صناعياً” في الخمسينات إلى “نازح” ينتظر الطائرة الأممية لترمي له جوال الذرة في الألفينات. هذه ليست حرباً.. هذه “سياسة إفقار منظم”.
مصنع ألبان بابنوسة: “البقرة” التي ذُبحت ليعيش “السمسار” لننتقل إلى الغرب، إلى كردفان، وتحديداً “بابنوسة”. هذه المنطقة تقع في قلب “حزام التماس”، وتسبح فوق محيط من الثروة الحيوانية (أبقار المسيرية والقبائل الرعوية). في الستينيات، وبمساعدة الاتحاد السوفيتي، تم إنشاء “مصنع ألبان بابنوسة”. صرح صناعي عملاق لتجفيف الألبان، صناعة الأجبان، وحتى خط لإنتاج “بودرة الصمغ العربي”. كان الهدف منطقياً جداً: بدلاً من نقل الحليب أو تصدير الماشية حية، نصنعها هنا ونصدرها كمنتج نهائي غالي الثمن.
لماذا تم إغلاقه وتخريبه؟ القصة ليست قصة “خسارة” كما يدعون. القصة هي تضارب مصالح مع “مافيا الصادر” في العاصمة. “الأفندية” من كبار تجار المواشي وسماسرة الصادر في الخرطوم وأمدرمان، مصلحتهم أن يضطر الراعي في كردفان ودارفور لبيع بقرته “حية” وبأرخص الأثمان في مواسم الجفاف. إذا اشتغل المصنع، سيبيع الراعي الحليب للمصنع بسعر مجزٍ، وسيتحول لمنتج مستقر، ولن يضطر لبيع أصوله (أبقاره) بخسارة لسماسرة المركز. لذلك، حاربوا المصنع. قطعوا عنه التمويل، قطعوا الكهرباء، أهملوا الصيانة، حتى توقف القلب النابض. تحول المصنع إلى “خرابة” تسكنها الأشباح، بينما استمرت قوافل الشاحنات تنقل أبقار كردفان ودارفور لأسواق أمدرمان، ليسمسر فيها الأفندي ويصدرها للخليج ومصر، ويقبض هو الدولار، بينما يبقى صاحب البقرة فقيراً يركض خلف المرعى!
نظرية “المستعمرة الاستهلاكية” ما حدث في أنزارا وبابنوسة وكذلك مصنع نسيج كادوقلي، ومصانع تعليب الفاكهة في كريمة وواو، رأيته بأم عيني في “زالنجي” في 2021. في زالنجي رأيت شاحنة “ZS” قادمة من الخرطوم تحمل عبوات مياة “صافية”.!! قلت لصديقي وجاري الحبيب “يعقوب نورالدين”، هذه قارورة المياه الوحيدة في الكوكب التي “تسافر” 1100 كيلو متر بغرض البيع. و يتحمل المستهلك قيمة الترحيل.!!
لماذا؟ لأن أي محاولة لفتح حتى معمل صغير لتنقية وتعبئة المياه المعدنية، في أي مدينة، يغلق فورا بأوامر عليا. هذا ما حدث بالضبط في زالنجي حينما ظن كوز “فلنقاي” أن كوزنته ستعصم مصنعه من الاغلاق. وقد خاب ظنه.
كل ذلك يؤكد نظرية واحدة: دولة “الأفندي” مصممة ليكون “المركز” هو السيد، و”الهامش” هو الخادم.
الهامش: منجم ومزرعة مواد خام رخيصة + سوق استهلاكي يشتري بضائع المركز.
المركز: يحتكر الصناعة القليلة الموجودة في البلد، ويحتكر التصدير والاستيراد.
هم يعلمون جيداً أن “التصنيع” يعني خلق “طبقة عمالية”، والطبقة العمالية تعني “وعياً بالحقوق”، والوعي يعني “المطالبة بالسلطة والفيدرالية”. لذلك، كان القرار الاستراتيجي غير المعلن: اقتلوا الصناعة في الهامش.. دعوهم رعاة ومزارعين بدائيين.. فهذا أسهل لحكمهم ونهبهم.
الخديعة الكبرى: “السكة حديد” تشهد حتى السكة حديد التي كانت تربط هذه المصانع بميناء التصدير، دمرها الأفندي كما سنشرح في “المقال القادم” لصالح “مافيا اللواري”. أجبروا مصنع بابنوسة (عندما كان يعمل) ومشاريع الغرب على نقل إنتاجهم بالشاحنات المكلفة التي يملكها ضباطهم وتجارهم، مما رفع التكلفة وجعل الإنتاج غير منافس، لتكون تلك ذريعة لإغلاق المصانع بحجة “عدم الجدوى الاقتصادية”.
الخلاصة: التنمية هي “التحرير” الحقيقي عندما يتحدث “الأشاوس” اليوم، أو حركات الكفاح، عن “التهميش”، فهم لا يقصدون فقط غياب الوزير في الحكومة، بل يقصدون هذا التدمير الممنهج لفرص الحياة. لقد حول الأفندي “بابنوسة” من مدينة منتجة للحليب والجبنة، إلى مدينة يتقاتل شبابها من أجل البقاء. وحول “أنزارا” وجنوب السودان من سلة غذاء وملبس، إلى دولة منفصلة تبحث عن هويتها وسط الركام.
إن معركة السودان الجديد ليست فقط لإسقاط جنرال أو استبدال حاكم.. بل هي معركة لإعادة تشغيل “ماكينات بابنوسة”، وإعادة الاعتبار لـ “أنزارا”. هي معركة لإنهاء “الاستعمار الداخلي”، ليصبح الهامش مركزاً للإنتاج، لا مجرد مخزن خلفي في “سوبرماركت” الأفندية “أخصاء السياسة” اللصوص.
#الأبارتهايد_المنقب
#مؤامرة_تدمير_الهامش
#أنزارا_وبابنوسة
المقال القادم: سيكشف تفاصيل جريمة تدمير السكة حديد، وكيف قام الأفندي بفك صواميل “وحدة السودان” ليبيعها خردة، ولصالح من تم استبدال القطار باللواري




