رأي

مثلث التهديد: لماذا يرى ترامب في بورتسودان كاراكاس جديدة على البحر الأحمر؟

زينب حسن سعيد

 

 زينب حسن  سعيد

في اللحظة التي كانت فيها شوارع طهران ومدن إيرانية كبرى تغلي بموجات احتجاج غير مسبوقة تطالب باقتلاع نظام الحكم من جذوره، كانت إدارة دونالد ترامب ترسم خطوط المواجهة على خرائط أبعد من الداخل الإيراني. فبالنسبة لواشنطن، سقوط النظام في طهران – إن حدث – لن يتحقق فقط عبر الضغط الداخلي، بل عبر خنق أذرعه الخارجية، وتجفيف ساحات النفوذ التي تمنحه القدرة على الصمود والمناورة.

ضمن هذا السياق، لم تعد بورتسودان مدينة هامشية في حرب سودانية معقدة، بل تحولت إلى عقدة مركزية في معادلة الصراع مع إيران، تمامًا كما كانت كاراكاس في ذروة المواجهة مع نظام مادورو.

من شوارع طهران إلى سواحل البحر الأحمر

الاحتجاجات الواسعة داخل إيران، وما رافقها من تصدّع اقتصادي وأمني، دفعت واشنطن إلى قناعة حاسمة: النظام الإيراني يقاتل اليوم على جبهتين، داخلية تهدد شرعيته، وخارجية يعتمد عليها لضمان بقائه. وكلما اشتد الضغط في الداخل، ازدادت أهمية الوكلاء والممرات والملاذات الخارجية.

من هنا، يُعاد تصنيف بورتسودان في العقل الاستراتيجي الأمريكي باعتبارها «كاراكاس الجديدة»؛ منصة بديلة تحاول طهران عبرها تعويض خسائرها المتوقعة في مناطق أخرى، وتأمين خطوط إمداد ونفوذ قادرة على إرباك خصومها، حتى في ذروة أزماتها الداخلية.

ثلاثة محاور تفسّر القلق الأمريكي

أولًا: الممرات المائية كخط دفاع أخير

مع تصاعد الغضب الشعبي داخل إيران، تصبح السيطرة غير المباشرة على الممرات المائية الدولية مسألة بقاء للنظام. واشنطن ترى أن تمكين قوى إسلامية متحالفة مع طهران من الساحل السوداني يفتح الباب لتحويل البحر الأحمر إلى ورقة ابتزاز استراتيجي، تهدد التجارة العالمية وأمن الطاقة، في لحظة عالمية شديدة الهشاشة.

ثانيًا: تصدير الأزمة عبر المسيرات

النظام الإيراني، المحاصر داخليًا، يضاعف اعتماده على تصدير السلاح منخفض الكلفة وعالي التأثير، وعلى رأسه الطائرات المسيّرة. التقارير الغربية تشير إلى أن السودان بات ساحة مثالية لهذه المقايضة: دعم عسكري إيراني مقابل عمق لوجستي على البحر الأحمر، بما يسمح لطهران بالاستمرار في لعب دور المخرّب الإقليمي رغم اهتزازها في الداخل.

ثالثًا: الوكلاء كشبكة أمان للنظام

في تقدير واشنطن، كل وكيل إقليمي لإيران ليس مجرد حليف، بل امتداد مباشر لعمر النظام نفسه. الإسلاميون داخل المشهد السوداني يُنظر إليهم بوصفهم جزءًا من هذه الشبكة؛ بقاءهم يعني بقاء قدرة طهران على التنفس خارجيًا، حتى لو اشتعل الداخل الإيراني بالكامل.

استراتيجية ترامب: ضرب الخارج لتسريع الانهيار الداخلي

ترامب، الذي يقرأ التاريخ بعين رجل أعمال لا بعين دبلوماسي، يعتقد أن الأنظمة لا تسقط من الداخل وحده، بل عندما تُجرد من أدوات قوتها الخارجية. لذلك، ومع تصاعد مظاهرات إيران، تتجه استراتيجيته إلى تسريع تفكيك دوائر النفوذ المحيطة بها.

الرسالة الأمريكية هنا لا لبس فيها:

لا ملاذات آمنة بعد اليوم لوكلاء طهران.

لا تسامح مع تحويل البحر الأحمر إلى خط إمداد بديل لنظام يترنح.

من يختار الاصطفاف مع إيران، يختار المواجهة مع واشنطن.

الخاتمة: عندما ينهار المركز تسقط الأطراف

ما يجري في شوارع طهران ليس حدثًا معزولًا، بل زلزالًا يهدد بإسقاط منظومة كاملة من النفوذ الإقليمي. وفي هذه المنظومة، تحتل بورتسودان موقع الحلقة الحساسة التي لا يمكن تركها دون كسر.

بالنسبة لترامب، المعركة مع إيران وصلت إلى مرحلتها النهائية: تفكيك الوكلاء، خنق الممرات، وتسريع الانهيار من الداخل. وعام 2026، في هذا المنظور، لن يكون عامًا للمساومات، بل عامًا للحسم، حيث تُستخدم القوة – الصلبة والخشنة – لإنهاء نظام يواجه اليوم أخطر تحدٍ في تاريخه، من الشارع الإيراني إلى سواحل البحر الأحمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!