رأي

الرأسمالية الطفيلية والانقلابات العسكرية في السودان  

نجوي بابو

 

نجوي بابو 

منذ فجر الاستقلال، ظل السودان يدور في حلقة مفرغة من الانقلابات العسكرية والانتفاضات الشعبية والانتقالات السياسية المتعثرة. وقد جرت العادة على تفسير هذه الظاهرة من خلال التركيز على دور المؤسسة العسكرية أو الانقسامات الحزبية أو التدخلات الخارجية. غير أن هذا التفسير يبقى ناقصًا إذا لم يأخذ في الاعتبار البنية الاقتصادية التي نشأت في ظل الدولة السودانية الحديثة، والدور الذي لعبته النخب المالكة للثروة في إعادة إنتاج السلطة وحماية مصالحها عبر التحالف مع الأنظمة العسكرية.

لم تكن الدولة السودانية بعد الاستقلال دولة محايدة تقف على مسافة واحدة من جميع الفئات الاجتماعية. فقد ورثت تركيبة اقتصادية واجتماعية تركزت فيها الثروة والسلطة الإدارية في أيدي شرائح محدودة من كبار التجار وملاك الأراضي والبيروقراطية العليا. ومع تطور الدولة، نشأت طبقة من المستفيدين من الامتيازات الاقتصادية المرتبطة مباشرة بمراكز القرار السياسي.

في هذا السياق، لم يكن الصراع السياسي مجرد تنافس بين برامج وطنية مختلفة، بل كان في جوهره صراعًا حول توزيع السلطة الاقتصادية ومن يملك حق الوصول إلى الموارد العامة.

جاء انقلاب عام ١٩٥٨في ظل أزمة سياسية وصراع بين القوى الحزبية التقليدية، لكنه مثّل أيضًا لحظة انتقال للسلطة من المجال المدني إلى المجال العسكري تحت مبررات الاستقرار وحماية الدولة. ومنذ تلك اللحظة بدأ يتشكل نمط متكرر في الحياة السياسية السودانية: كلما اتسعت المطالب الشعبية بالإصلاح أو دخل النظام السياسي في حالة من الاستقطاب، برزت دعوات صريحة أو ضمنية إلى الحسم والاستقرار ،وهي شعارات وجدت صدى لدى بعض أصحاب المصالح الاقتصادية الذين رأوا في السلطة العسكرية ضمانة لاستمرار النظام القائم.

أما انقلاب عام ١٩٦٩ جعفر نميري فقد حمل في بداياته خطابًا راديكاليًا حول العدالة الاجتماعية ودور الدولة في الاقتصاد، إلا أن التحولات اللاحقة أظهرت قدرة النخب الاقتصادية على التكيف مع المتغيرات السياسية وإعادة بناء نفوذها داخل النظام الجديد. فالصراع لم يكن بين الرأسمالية والعسكرية بقدر ما كان عملية مستمرة لإعادة تشكيل التحالفات بين السلطة والثروة.

وفي عهد عمر البشير بلغ هذا التداخل بين النفوذ الاقتصادي والسلطة السياسية والعسكرية مستوى غير مسبوق. فقد نشأت شبكات واسعة من المصالح الاقتصادية المرتبطة بمؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية ودوائر رجال الأعمال المقربين من النظام. وأصبحت فرص الاستثمار والعقود الحكومية والامتيازات الاقتصادية مرتبطة بدرجات متفاوتة بالقرب من مراكز النفوذ.

خلال هذه العقود، لم يكن أبناء العمال وصغار المزارعين هم المستفيدين الرئيسيين من النمو الاقتصادي المحدود الذي تحقق في بعض الفترات. بل تراجعت أوضاع قطاعات إنتاجية واسعة، وتآكلت الخدمات العامة، وازدادت الفجوة بين مراكز الثروة والأطراف المهمشة. وأدى ذلك إلى تعميق الإحساس بأن الدولة تعمل لخدمة شبكات مصالح ضيقة أكثر مما تعمل لخدمة المجتمع ككل.

إن قراءة تاريخ السودان من منظور العلاقة بين رأس المال والسلطة تكشف أن الانقلابات العسكرية لم تكن مجرد أحداث سياسية معزولة، بل كانت في كثير من الأحيان جزءًا من عملية أوسع تهدف إلى حماية توازنات اقتصادية قائمة أو إعادة تشكيلها. فحين تشعر النخب المستفيدة من الوضع القائم بأن التحولات الديمقراطية قد تفتح الباب أمام مطالب إعادة توزيع الثروة أو إصلاح هياكل الامتياز، يصبح الاستقرار السلطوي خيارًا أكثر جاذبية من المخاطرة بالتغيير الديمقراطي.

ولا يعني ذلك أن العسكريين كانوا مجرد وكلاء للنخب الاقتصادية، فالمؤسسة العسكرية نفسها أصبحت مع الزمن مركزًا اقتصاديًا يمتلك مصالحه وشبكاته الخاصة. لكن النتيجة النهائية كانت واحدة: تركز متزايد للسلطة والثروة، وتراجع مستمر لدور القوى الاجتماعية المنتجة من عمال ومزارعين وطبقات وسطى.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الديمقراطية ليست مجرد آلية لانتخاب الحكومات، بل هي أيضًا معركة حول توزيع النفوذ الاقتصادي داخل المجتمع. ولذلك فإن أي مشروع وطني للخروج من الأزمة لن ينجح ما لم يتناول جذور العلاقة بين الثروة والسلطة، ويؤسس لاقتصاد يضمن العدالة والشفافية والمساءلة، بدلًا من إعادة إنتاج التحالف التاريخي بين المال والقوة المسلحة.

فالأزمة السودانية، في جانب مهم منها، ليست أزمة حكومات تتعاقب على السلطة فحسب، بل أزمة بنية اقتصادية وسياسية استطاعت، لعقود طويلة، أن تعيد إنتاج نفسها مهما تغيرت الشعارات والوجوه والأنظمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!