
عبد الله شمس الكون
مقدمة: في الضرورة التاريخية
في خضم الانهيار المأساوي الذي تعيشه الدولة السودانية، والذي بلغت ذروته في حرب الخامس عشر من أبريل 2023، لم يعد الانحياز إلى مشروع سياسي بعينه مجرد خيار تكتيكي أو اصطفاف مرحلي، بل غدا ضرورة تاريخية تمليها طبيعة الأزمة الوجودية التي تواجه الوطن. إن قرارنا في حزب المؤتمر السوداني بالانضمام إلى «تحالف السودان التأسيسي» والتوقيع على ميثاقه لا يأتي كرد فعل على حدث عابر، ولا يمثل انشقاقاً بالمعنى المتداول في السجال الحزبي، بل هو تعبير موضوعي عن مسار طويل من النقد الفكري والسياسي، سعى إلى تفكيك أزمة الدولة السودانية منذ نشأتها.
هذا المقال ليس بياناً تبريرياً، بل محاولة لتقديم قراءة عقلانية للدوافع الإيديولوجية والمسببات السياسية الراهنة التي جعلت من هذا التحالف استجابة حتمية للأسئلة السودانية المؤجلة، والتي لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل أو المعالجات السطحية.
لفهم الضرورة الموضوعية التي قادتنا إلى التوقيع على ميثاق السودان التأسيسي، لا بد من العودة إلى الجذور الفكرية لتحليل الأزمة السودانية. فقد قدم مفكرون سودانيون، عبر عقود، أدوات تحليلية لا غنى عنها لفهم طبيعة الصراع، حيث جرى النظر إلى الأزمة في بعدها البنيوي بوصفها نتاجاً لتراكم تاريخي لعلاقات السيطرة والاستتباع التي أسس لها الاستعمار، ثم أعادت النخب الوطنية بعد الاستقلال إنتاجها وصيانتها.
لقد تأسست دولة مركزية احتكرت السلطة والثروة والرمزية الثقافية، بينما تُركت الأطراف في حالة تهميش مزدوج، مادي وثقافي. ولم يكن هذا الخلل مجرد سوء توزيع للموارد، بل كان – ولا يزال – بنية قهر متكاملة، تنتج العنف وتعيد توليده بصورة مستمرة.
الثقافة والهوية: جوهر الصراع
وبما أن الثقافة هي ساحة إنتاج المعاني والهيمنة، فإن جوهر الصراع السوداني يتمثل في فرض سردية وطنية بعينها وهوية جماعية محددة. فقد فشلت الدولة السودانية في إنتاج سردية وطنية جامعة تحتضن تنوعها الثقافي الهائل، واختارت بدلاً عن ذلك فرض هوية أحادية أقصت قطاعات واسعة من المجتمع، ما أدى إلى اغتراب ثقافي عميق وشعور مزمن بالاستبعاد.
إن الفشل في بناء «الهوية الجامعة» يمثل جوهر الأزمة السودانية، وهو الإخفاق الذي ظلت نخب المركز المتعاقبة تكرسه وتعيد إنتاجه، رغم تغير الواجهات والشعارات.
ويتجسد هذا الخلل البنيوي، المادي والثقافي، في طبيعة الدولة نفسها. فالدولة الوطنية في السودان، شأنها شأن العديد من دول ما بعد الاستعمار، لم تتجاوز كونها «حالة ذهنية» لدى النخبة الحاكمة. كانت حدوداً موروثة عن المستعمر، لم تُترجم إلى عقد اجتماعي حقيقي قائم على المواطنة المتساوية. وظلت الدولة جهازاً بيروقراطياً قمعياً، غايته خدمة مصالح فئة ضيقة في المركز.
ولعل الدليل الأوضح على هذا الفشل هو التقلص التدريجي لخارطة الدولة نفسها: من التفريط العملي في أجزاء من شمال السودان، إلى الانفصال المأساوي لجنوب السودان، الذي لم يكن سوى اعتراف تاريخي بفشل مشروع الوحدة القسرية.
إعادة تعريف أصحاب المصلحة
في ظل هذا الواقع، تصبح النظرة التقليدية لـ«أصحاب المصلحة» في الصراع السوداني – باعتبارهم أحزاباً سياسية أو قبائل أو حركات مسلحة – نظرة قاصرة ومضللة. فالصراع في جوهره هو صراع بين قوى تسعى إلى الحفاظ على بنية الهيمنة الموروثة، وقوى أخرى تناضل من أجل تفكيك هذه البنية وإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة.
لقد بدأ الصراع كتعبير عن مظلومية ثقافية وهوياتية، لكنه تطور بصورة موضوعية إلى صراع على السلطة والثروة. وهذا التطور ليس انحرافاً عن المسار، بل نتيجة حتمية في دولة مختلة؛ إذ تدرك الهويات المهددة في وجودها أن بقاءها وصعودها مرهونان بالسيطرة على الموارد والمؤسسات، باعتبارهما الأداتين الحاسمتين في فرض الهيمنة أو مقاومتها.
وعليه، نرى ضرورة إعادة تعريف أصحاب المصلحة الحقيقيين في المعادلة السودانية على النحو الآتي:
1. حملة المشروع الثقافي المهيمن:
وهم لا يقتصرون على النخب السياسية والعسكرية التقليدية في المركز، بل يشملون شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي تستفيد من الوضع القائم، وتسعى إلى إعادة إنتاج بنى السيطرة نفسها تحت مسميات جديدة، بما في ذلك ما يمكن تسميتهم بـ«المركزيين الجدد».
2. القوى الساعية للتأسيس الجديد:
وهي قوى لا تمثل الهامش الجغرافي فحسب، بل تضم كل المهمشين والمستبعدين من بنية السلطة والثروة، بما في ذلك النساء، والشباب، والطبقات العاملة، حتى داخل المركز نفسه. وتمثل هذه القوى «الكتلة التاريخية» الجديدة القادرة على حمل مشروع وطني بديل.
3. أجهزة الدولة العميقة:
وهي الشبكات البيروقراطية والأمنية التي ورثت عقلية الدولة الاستعمارية، وتعمل كقوة محافظة تقاوم أي تغيير حقيقي يهدد امتيازاتها، بما في ذلك قوى مدنية تسللت إليها العقلية نفسها، وتكتفي في أحسن الأحوال بإصلاحات سطحية لا تمس جوهر الأزمة ولا تضع حداً لدولة العنف المستدام.
لماذا ميثاق السودان التأسيسي؟
في مواجهة هذا التشخيص المركب، يأتي التوقيع على «ميثاق السودان التأسيسي» بوصفه ضرورة تاريخية، لا مجرد إضافة جديدة إلى سلسلة المواثيق التي عرفها السودان. فالميثاق يُقرأ في سياق اللحظة التاريخية الراهنة، وفي مستوى تطور الصراع، وبالنظر إلى التعقيدات الجيوسياسية الإقليمية، واستشعاراً بأن هذه الأزمة تختلف عن سابقاتها من حيث عمقها، واتساعها، والفرص التي أتاحتها لقوى الهامش والقوى الواعية بجوهر المسألة لتقديم إجابات جذرية.
ويمثل الميثاق، في تقديرنا، إحدى أكثر المحاولات نضجاً في الفكر السياسي السوداني لتقديم رؤية متكاملة لتجاوز الأزمة، وتكمن أهميته في الآتي:
• يمثل نقلة نوعية من مرحلة نقد الدولة الموروثة إلى مرحلة تصور عملي لبناء الدولة الجديدة، عبر برنامج سياسي واضح لتقاسم السلطة والثروة، وضمانات دستورية للحقوق الفردية والجماعية.
• ينطلق من اعتبار التنوع السوداني مصدر قوة وثراء، لا مشكلة ينبغي احتواؤها، ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية بلا تمييز عرقي أو ديني أو ثقافي.
• يقدم رؤية جادة للحكم اللامركزي الحقيقي، بوصفه تفكيكاً عملياً لبنية الدولة المركزية التي كانت سبباً رئيسياً في حروب السودان.
• يشكل دعوة مفتوحة لصياغة عقد اجتماعي جديد عبر مؤتمر دستوري قومي، ويكاد أن يكون تحالف السودان التأسيسي سابقة سياسية من حيث ارتكازه المادي والمعنوي على قوى الهامش، بمعناه الجغرافي والاجتماعي معاً.
خاتمة
إن الحرب التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 ليست حادثة طارئة، ولا مجرد صراع على السلطة بين جناحين من النخبة، بل هي التعبير الأكثر فداحة عن الأزمة البنيوية المتراكمة في بنية الدولة السودانية. إنها انفجار التناقضات التي ظلت كامنة تحت سطح مؤسسات هشة وعقد اجتماعي متصدع.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار وتحقيق هدنة إنسانية عاجلة، تحت رقابة دولية، ليست موقفاً إنسانياً فحسب، بل ضرورة سياسية استراتيجية. غير أن وقف الحرب دون معالجة أسبابها الجذرية لن يؤدي إلا إلى هدنة مؤقتة تعقبها حروب جديدة، كما علمتنا تجارب السودان المريرة.
لذلك، لا بد أن يقترن العمل على وقف الحرب بعمل متوازٍ على تأسيس الدولة الجديدة، وهو ما يسعى إليه ميثاق السودان التأسيسي.
إن انضمامنا إلى «تحالف السودان التأسيسي» هو تعبير عن إدراكنا بأن اللحظة الراهنة لا تحتمل أنصاف الحلول ولا التحالفات التكتيكية العابرة، بل تتطلب بناء «كتلة تاريخية» واسعة تتجاوز الانتماءات الحزبية الضيقة، وتضم القوى الحية في المجتمع من منظمات مجتمع مدني، ونقابات، ولجان مقاومة، ومثقفين، وممثلين حقيقيين للمجتمعات المحلية.
نحن ندرك أن الطريق طويل وشاق، وأن تحويل الميثاق من وثيقة إلى واقع يتطلب نضالاً يومياً، لكننا نؤمن بأن شعبنا، الذي قدم تضحيات جساماً من أجل الحرية والعدالة والمساواة، قادر على بناء دولته الجديدة: دولة المواطنة، والعدالة، والتنمية، دولة تسع جميع أبنائها وبناتها بلا هيمنة أو إقصاء.
من أجل هذا الهدف، ومن أجل وقف نزيف الدم السوداني، كان خيارنا… وسيبقى نضالنا.
عبدالله شمس الكون
رئيس المكتب السياسي المكلف – حزب المؤتمر السوداني
يناير 2026




