رأي

السودان الجديد ينهض- تفكيك وهم الجبهة المدنية ومراوغة البعث

في نقد الأوهام البعثية، شرعية المقاومة وتهافت خطاب الإنكار الطبقي والدعوة للمصالحة المبتورة

خالد كودي – الأراضي المحررة

مدخل: عن الشرعية في زمن الانهيار
ينطلق وجدي صالح، عضو قيادة قطر السودان لحزب البعث العربي الاشتراكي، في حواره مع صحيفة “الهدف”،في ٣/٨/٢٠٢٥ من فرضية مركزية مفادها أن “لا شرعية حقيقية لأي من الحكومتين المتنافستين”، ثم يبني رؤيته على خطاب تصالحي – محافظ، يتوسل نزع الصفة الثورية عن الواقع القائم، ويموّه جوهر الصراع الحالي في السودان بوصفه “انقساماً خطيراً يهدد وحدة البلاد”، دون التطرق الجاد إلى طبيعة الدولة السودانية، ولا الجذر التاريخي لهذا “الانقسام”، ولا الديناميات الفعلية للحرب، ولا حتى مشروع الثورة الجذرية نفسه!
وهذا بحد ذاته تمويه مبدئي مزدوج:
١/ إنكار لحقيقة أن جزءاً من السودانيين – وهم ملايين من النازحين واللاجئين وضحايا الدولة – لم يجدوا تمثيلاً في أي من السلطات السابقة ولا في المشاريع المركزية التي ظل البعث شريكًا فيها فكريًا ومؤسسًا سياسيًا
٢/ وتمييع لحقيقة أن ما يحدث اليوم هو لحظة تاريخية لـ إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس مغايرة، لا مجرد لحظة “انقسام يجب وقفه.”

ولذلك فإن هذا الرد يهدف إلى تفكيك الخطاب البعثي المحافظ، الذي يعيد إنتاج فشل النخب المركزية، ويقف حجر عثرة أمام التغيير الجذري في السودان.

في معنى الشرعية ومن يملكها في لحظة ما بعد الدولة
يعتمد خطاب حزب البعث، كما عبّر عنه وجدي صالح، على إنكار مزدوج للشرعية، حيث يؤكد غياب “الشرعية الثورية”، و”الشرعية التوافقية”، و”الشرعية الانتخابية” عن كلا الحكومتين المتنازعتين في السودان. غير أن هذا الطرح يُقصي مفاهيم أكثر تركيبًا في علم السياسة الدستورية والتحول الديمقراطي، تتصل بما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ الشرعية التأسيسية (foundational legitimacy)
والشرعية المنتجة أو المولّدة
(generated legitimacy)،
وهي شرعيات لا تُستمد بالضرورة من الإطار الإجرائي القانوني التقليدي، بل من لحظة التحول التاريخي ذاتها، حين تعجز الهياكل القائمة عن الاستمرار وتنهار السلطة المركزية.
أولاً، الشرعية المولّدة هي التي تنشأ في ظروف استثنائية، نتيجة انهيار النظام القديم، وصعود قوى جديدة تعبّر عن قطيعة تاريخية ومشروع بديل. وقد تمثّلت هذه الشرعية، على سبيل المثال، في الثورة الكوبية عام 1959، حيث لم تكن هناك شرعية انتخابية لفيديل كاسترو، لكن الثورة كوّنت شرعيتها من خلال مشروعها للتحرير الوطني وتفكيك التبعية الأمريكية. كذلك، في جنوب إفريقيا، لم تكن للمؤتمر الوطني الأفريقي شرعية انتخابية خلال العقود الأولى، لكن شرعيته كانت مُنتجة بفعل النضال والمقاومة ضد نظام الأبارتهايد، وتم الاعتراف بها لاحقًا كقاعدة تأسيسية للنظام الجديد.
ثانيًا، هناك ما يُعرف بـ الشرعية الواقعية في لحظات الفراغ السيادي، حين تنهار المؤسسات الرسمية للدولة وتفقد قدرتها على إدارة شؤون المواطنين، فتتقدم قوى بديلة تمتلك الحاضنة الشعبية، والرؤية السياسية، والأطر التنظيمية، لتملأ هذا الفراغ. وينطبق هذا المفهوم على حكومة “تأسيس للسلام والوحدة”، التي لا تدّعي شرعية انتخابية شكلية، لكنها تستمد مشروعيتها من ميثاق شعبي علني، ودستور انتقالي صاغته قوى الثورة في المناطق الأكثر تهميشًا، ومن تمثيل واقعي لحاجات الناس في ظل انهيار الدولة المركزية.
بالمقابل، إن اختزال مفهوم الشرعية إلى مقاربة قانونية–إجرائية ضيقة، في ظل فراغ دستوري وانهيار شبه كلي لمؤسسات الدولة، هو شكل من أشكال الاحتيال الخطابي والتقني الذي يُستخدم لإجهاض مشاريع التحول الجذري. وقد استخدمت أنظمة عديدة هذا النوع من الخطاب لتقويض الثورات، كما حدث في مصر بعد 2011، حين تم توظيف “غياب الشرعية القانونية” كذريعة لإجهاض مسار ثورة يناير وعودة الأجهزة القمعية للواجهة.
إن ما يدافع عنه حزب البعث ليس رفضًا لمفهوم “الشرعية” بحد ذاته، بل هو تكريس لنموذج الدولة المركزية السلطوية التي تنتج شرعيتها من مؤسسات صمّاء، لا من إرادة الناس أو من أفق تأسيسي جديد.

عن وهم “الطابع الطبقي المحض” للصراع في السودان
يستند تحليل وجدي صالح إلى مقولة اختزالية مفادها أن “الصراع في السودان طبقي في جوهره”، دون أن يوضح مفهومه للطبقة أو يحدد بنيتها الموضوعية، ولا كيف تتشكل في سياق غير رأسمالي–صناعي، ولا حتى كيف يمكن تطبيق التصنيف الطبقي الكلاسيكي على دولة ريعية ذات اقتصاد منهار وهياكل ما قبل حداثية. بهذا الاستخدام، يُفرغ صالح المفهوم من دلالته الماركسية الأصلية ليعيد إنتاجه كمجرد يافطة خطابية، تفقد فاعليتها التفسيرية والنقدية في سياق معقد كالسودان.
. أ- الطبقة ليست مفهوماً طليقاً من شروطه التاريخية–المادية
وفق ماركس، الطبقة ليست فئة اجتماعية جامدة، بل علاقة إنتاج، تتشكل ضمن نمط إنتاج محدد، وتُعرّف بموقعها من وسائل الإنتاج والسلطة. كيف يمكن، إذًا، الحديث عن صراع طبقي في بنية اقتصادية مشوهة، يغيب عنها القطاع الصناعي، وتُدار فيها السلطة والثروة عبر آليات الزبائنية والريع السياسي واحتكار السلطة من قِبل إثنوقراطيات مركزية؟
يقول بيير بورديو إن “كل تحليل طبقي يفتقر إلى تحليل رمزي وثقافي بنيوي، هو تحليل أعمى.” وهذا ما ينطبق على تحليل صالح: إذ يُغفل الرموز والهويات كأدوات إنتاج للهيمنة لا كأقنعة لها

التمويه البنيوي: حين يُستعمل “الطبقي” لإخفاء الاستعماري والإثني
إن اختزال الصراع في السودان إلى “طبقي” يخفي حقائق بنيوية أعمق وأكثر تعقيدًا، أهمها أن:
– بنية الدولة السودانية ما بعد الاستعمار تشكّلت على أسس إثنوقراطية–ثقافية لا على أسس طبقية صرفة. ومنذ 1956، ظلت السلطة تحتكرها نخب تنتمي إلى شريحة إثنية–جغرافية ضيقة، فرضت نموذجاً مركزياً يعيد إنتاج الامتيازات ويقصي الهويات والثقافات غير العربية/الإسلامية.
– الهامش ليس طبقة اجتماعية داخل المركز، بل هو فضاء مقصي، استُخدم فيه العنف كأداة تأسيس، كما في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
– لذلك فإن ما يُسمى “الطبقة الحاكمة” في السودان ليست نتاجاً لعلاقات إنتاج اقتصادية، بل لعلاقات هيمنة إثنية–ثقافية–رمزية، تأسست في سياق ما بعد كولونيالي على نموذج من الاستعمار الداخلي.
يقول فرانز فانون: “حين يتماهى المُستعمَر مع صورة المستعمِر، يصبح العنف الثوري هو السبيل الوحيد لتمزيق هذا القناع.” والصراع في السودان لا يُفهم إلا كصراع بين مشروع تحرير قومي/ثقافي/هوياتي من الأسفل، وبين بنية سيطرة كرّست نفسها باسم القومية والعروبة والدين.

. التجارب العالمية: عندما لا تكون الطبقة وحدها كافية لتفسير الهيمنة
في جنوب إفريقيا مثلًا، لم يكن الصراع بين العمال وأرباب العمل فحسب، بل كان بين أقلية بيضاء عنصرية تحتكر الدولة، وأغلبية سوداء محرومة من الحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية. وقد أدرك نلسون مانديلا ورفاقه أن تفكيك نظام الأبارتهايد يتطلب إعادة تعريف الدولة نفسها، لا مجرد إعادة توزيع الدخل. في أمريكا اللاتينية، وخاصة بوليفيا، لم يكن الصراع طبقيًا بالمعنى الأوروبي، بل كان صراعًا بين سكان أصليين جُرّدوا من هوياتهم وأراضيهم، ونخب كريولية احتكرت السلطة والثقافة والدين. وقد قاد إيفو موراليس تحالفًا أصليًا أعاد تعريف الدولة على أسس متعددة الثقافات واللغات والهويات، وليس فقط على أساس إعادة توزيع الثروة.
إن السودان أقرب إلى هذه النماذج من أي نموذج ماركسي كلاسيكي اوربي. وكل قراءة طبقية لا تعترف بالتمايزات الإثنية والثقافية والدينية باعتبارها أدوات إنتاج للهيمنة، هي قراءة تتواطأ مع البنية القديمة دون وعي ودون أن تدري.
. رابعا: التحليل الجدلي–المادي لا يبرر اختزال الظاهرة المعقدة
حتى في منهج ماركس نفسه، لم تكن الطبقة مفصولة عن البنية الفوقية. لم يكن ماركس يدعو لتحليل أعمى للهويات، بل لقراءتها في علاقتها بالقوة، والثقافة، والدولة. وكما بيّن غرامشي، فإن الهيمنة ليست اقتصادية فقط، بل ثقافية وإيديولوجية ومؤسساتية، ولا تُفكك إلا بتحالف بين القوى المقهورة، أيًا كانت هويتها الاجتماعية أو الجغرافية أو الإثنية.

تفكيك وهم التحليل الطبقي المجرد
إن وصف الصراع في السودان بأنه “طبقي في جوهره” كما يقول وجدي صالح ليس فقط سطحياً، بل هو إنكار بنيوي لطبيعة الدولة السودانية نفسها، ومحاولة لتجاوز المطالب الجوهرية لقوى الهامش في تقرير المصير، والعلمانية، والعدالة التاريخية، ومأسسة التعدد. بل هو إعادة إنتاج للمنظور المركزي الذي جعل من “الطبقة” قناعًا للعروبة، ومن القومية ستارًا للهيمنة، ومن “الوحدة الوطنية” غطاءً للإقصاء.
وبالتالي، فإن أي مشروع تغييري لا ينطلق من نقد التكوين الإثنوقراطي للدولة، وإعادة تعريف مفهوم الطبقة في سياقه المحلي، وإعطاء الأولوية لسرديات المهمشين، هو مشروع يعيد إنتاج الأزمة، مهما كانت لافتاته “ثورية”

في تمويه المشروع الثوري وشيطنة “تأسيس”
تُصوَّر وجدي صالح في اللقاء حكومة تأسيس على أنها تصعيد خطير و”فرض أمر واقع”، ويُساءل تأسيسها وكأنها انقلاب على إجماع سياسي مفترض. لكن:
– هل كان للنظام السياسي قبل الحرب أي مشروعية أخلاقية أو ثورية أو دستورية؟
– ألم يكن وجدي صالح جزءًا من سلطة بوضع اليد انتقالية تحالفت مع العسكر، وسمحت بإفلاتهم من العقاب، وغطت على مجازر فض الاعتصام؟
– ألم يُقصِ البعثيون والحرية والتغيير القوى الثورية والمجتمعات المهمشة من قوى إعلان الحرية والتغيير وتفاهمات الوثيقة الدستورية 2019؟
– الم تتحايل قوي الحرية والتفيير علي الحركة الشعبية التي طرحت مشروع ثوري يواجة جذور الشكل السوداني احتالت بتوقيع اتفاق سلام محاصصة صوري مع حركات مسلحة لقطع الطريق علي الحركة الشعبية ومشروع السودان الجديد الذي يقوم علي العلمانية، اللامركزية العدالة التاريخية وحق تقرير المصير؟
إن تحالف “تأسيس” جاء كمشروع تأسيسي شعبي، صاغ ميثاقًا علنيًا، ووثيقة دستورية ديمقراطية، واعترف بالعلمانية، وحق تقرير المصير، واللامركزية، والعدالة التاريخية، ورفع شعار السودان الجديد. وهذا ما يُرعب الأحزاب المركزية القديمة.

“الجبهة المدنية” أم جبهة النظام القديم؟
حين يدعو حزب البعث، ممثلاً في وجدي صالح، إلى “جبهة شعبية عريضة” بوصفها “الحل الواقعي”، فهو لا يطرح بديلاً ثورياً حقيقياً بقدر ما يعيد تدوير القوى المدنية التقليدية التي شاركت، بصمتها أو بتواطئها أو بعجزها البنيوي، في ترسيخ بنية الدولة المركزية التي أنتجت المأساة السودانية. إن ما يُقدَّم اليوم تحت لافتة “الجبهة المدنية” ليس إلا محاولة لإعادة تجميل المشروع القديم في عباءة جديدة، دون أي استعداد لمواجهة جذور الأزمة ولا لتفكيك الأسس البنيوية التي أوصلت السودان إلى حافة التفكك والانهيار الشامل/
إن هذه الجبهة المزعومة تفتقر إلى القدرة النظرية والسياسية على تشخيص أسباب الفشل التاريخي المتكرر للنخب المركزية، ولا تملك تصورًا جذريًا لتجاوز ما سمّاه إيمانويل والرشتاين “الركود البنيوي للدول ما بعد الكولونيالية”، حيث يتم التدوير النخبوي دون تفكيك الدولة نفسها.
فأي جبهة هذه، إن لم تكن قادرة على الاعتراف العلني بأن ما جرى ويجري في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق ليس مجرد صراع مسلح بل تعبير عن بنية استعمار داخلي ممنهج؟
إن إقصاء هذه القضايا من مركز الخطاب السياسي ليس فقط جريمة أخلاقية، بل انتحار سياسي أمام ملايين المهمشين الذين يرون الدولة ذاتها كأداة قهر ممنهجة، لا كمظلة جامعة
وأي جبهة يمكنها أن تدّعي التقدمية وهي تتهرّب من المطلب الجوهري ببناء دولة علمانية ديمقراطية، تكون المواطنة فيها متساوية بالحقوق لا مرهونة بالعقيدة أو الهوية؟
كيف لجبهة تدّعي الوطنية أن ترفض الاعتراف بحق تقرير المصير كأداة ديمقراطية لحسم النزاعات التاريخية، وتستمر في شيطنة هذا المبدأ بينما تمارسه دول ديمقراطية عريقة كما فعلت كندا مع كيبك، والمملكة المتحدة مع اسكتلندا؟
ثم، أي حديث عن “وحدة وطنية” هذا الذي يُبنى على نسيان المجازر وطمس العدالة؟
هل يمكن لوحدة حقيقية أن تقوم دون مساءلة أو اعتراف؟ دون عدالة تاريخية تعيد الاعتبار لضحايا الدولة وتقطع مع منطق الإنكار والتسوية العقيمة؟
إن تهوين مشروعية مشروع “تأسيس” ووصفه بالخطر على البلاد، ليس سوى رفض ضمني لأي قطيعة مع منظومة الهيمنة، وخوف وجودي من مشروع يعيد تعريف السودان لا بوصفه “بلدًا عربيًا مسلمًا”، بل وطنًا متعددًا، علمانيًا، عادلاً، قائمًا على إرادة الشعوب لا إرادة المركز.
الحقيقة أن ما يسميه حزب البعث “جبهة مدنية شعبية” هو في جوهره تحالف تصالحي–محافظ بين قوى اليمين المدني واليسار المأزوم، تلتقي جميعها في لحظة هروب جماعي من سؤال التأسيس، وتفضّل الانكماش في اللغة الأخلاقية الفضفاضة على مواجهة الواقع الفعلي للثورة- ثورة السودان الجديد والتي تنطلق من الهامش!
إنها جبهة تخشى طرح الأسئلة الجذرية: من يملك الدولة؟ من يحتكر العنف؟ من يقرر مصير الشعوب؟
ولذلك، فإنها لا تمثّل “الشعب” بل تمثّل ذاكرة مشوهة عن لحظة ديسمبر، قادتها نخبة عاجزة عن الاعتراف بموت مشروعها.

من يملك أفق السلام؟ ومن يهرب من مساءلة الجيش؟
حين يكرر وجدي صالح، باسم حزب البعث، أن “وقف الحرب شرط أساسي لأي حل”، فهو لا يقول شيئاً جديداً، بل يعيد إنتاج لغة إنسانية مُجملة تُخفي حقيقة الموقف السياسي، وتهرّبًا ممنهجًا من الجواب على السؤال الأخطر: أي سلام؟ ومع من؟ وعلى أي أسس؟
هل الحديث عن “وقف الحرب” يقتصر على نزع السلاح من الهامش، بينما يُترك الجيش السوداني فوق النقد والمحاسبة ليعيد هيكلة نفسه، باعتباره من “ثوابت الأمة”؟
أليس هذا هو الاحتيال الأكبر الذي يمارسه حزب البعث؟
الجيش الذي ارتكب المجازر في دارفور، وسحق المتظاهرين في الخرطوم، وفضّ الاعتصام في القيادة العامة، واستباح مدني، وقتل الآلاف في النيل الأزرق وجنوب كردفان، هو نفسه الذي يريد البعثيون حفظه كـ”ضامن للاستقرار”، لا كفاعل مباشر في جرائم ضد الإنسانية.
إن هذه المغالطة القومية–العسكرية هي قلب خطاب البعث:
– يرفضون حل الجيش،
– يهربون من مساءلته،
– ويعادون كل محاولة لبناء جيش جديد متعدد قومياً وإثنياً،
– لأنهم يرون فيه تجسيداً لـ”هوية عربية–إسلامية” لا يجوز المساس بها، حتى ولو قامت على الخراب.
فأي سلام هذا الذي يُبنى على استمرار مؤسسة متهمة بالتطهير العرقي، باعتبارها “الضامن”؟
أي سلام، إذا لم يبدأ من التفكيك الجذري لبنية الدولة التي جعلت الحرب وسيلة إدارة للصراع؟
السودان لا يحتاج إلى “وقف إطلاق نار” هكذا، بل إلى انتهاء منطق الحرب كأداة مركزية لإخضاع الهامش
إن الحروب في السودان لم تكن لحظات شاذة أو استثناءات، بل جزءاً بنيويًا من نظام السيطرة:
١/ حرب الجنوب (1955–2005): بسبب رفض الحكم الذاتي، وتكريس دولة عربية إسلامية
٢/ حروب دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة: لأن المركز تعامل مع المطالب الاجتماعية–السياسية بوصفها
تمردًا لا حقوقًا.
٣/ الحرب الجارية الآن (2023–2025): نتيجة انفجار التناقضات المتراكمة، ورفض المؤسسة العسكرية لأي مشروع تأسيسي جديد يضمن العدالة والمساواة.
فهل يعقل أن نُعيد إنتاج هذا التاريخ باسم “الوحدة الوطنية”؟ وهل يُعقل أن يُدعى الثوار والمهمشون للجلوس تحت وصاية جيش هم أنفسهم ضحاياه؟

شروط السلام المستدام ليست عاطفية، بل بنيوية:
السلام ليس مجرد “سكون البنادق”، بل هو مشروع تفكيك جذور الحرب.
ولا سلام في السودان دون:
– تفكيك بنية الجيش القائم على الولاء العرقي والجهوي والديني، وبناء جيش وطني على أسس التعدد والمواطنة
– الاعتراف بالضحايا ومأسسة العدالة التاريخية، لا فقط العدالة الانتقالية، بما يشمل الحق في الذاكرة، والمحاسبة، والتعويض الجماعي
– قبول حق تقرير المصير كأداة ديمقراطية لإنهاء علاقة الإكراه بين المركز والهامش، بدل أن يظل السودان سجنًا جبريًا تُفرض فيه “الوحدة” من فوق،
– دستور علماني لا مركزي ديمقراطي جديد، ينهي عهد الدولة الريعية الإثنوقراطية، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد
وهنا يتضح الفرق الجوهري:
– رؤية “تأسيس”: ثورية، تأسيسية، تعترف بالدم وتؤمن بالقطيعة، وتبني مشروع سلام على أنقاض دولة القهر
– رؤية البعث: تقليدية، تصالحية، تنكر الأسباب وتخاف من أي تفكيك للجيش، لأنها تعتبره خطًا أحمرًا يمثّل الهوية لا الجريمة.
الخلاصة: من لا يريد مساءلة الجيش، لا يريد سلاماً بل هدنة للنظام القديم.
ليس كل من يدعو إلى السلام صادقًا في سعيه.
السلام دون عدالة، هو مجرد إرجاء جديد لانفجار قادم.
ومن لا يعترف بدور الجيش في صناعة الحرب، ويمنحه قداسة قومية، إنما يضعف فرص التغيير، ويعيد تدوير نفس العنف الذي يدّعي أنه يرفضه.
ومن هنا، فإن من يملك أفق السلام اليوم، ليس من يدعو لتفاهم مع المؤسسة العسكرية باسم “الوطنية”، بل من يتبنى مشروع قطيعة كاملة معها، ويبني من الرماد عقدًا جديدًا عنوانه: السودان وطن لكل شعوبه، لا ثكنة يحكمها جيش واحد باسم شعب لم يختره.

ختاما: بين خطّين تاريخيين – وأخلاقيين
يقف السودان اليوم، لا عند مفترق سياسي عابر، بل في قلب لحظة تأسيسية نادرة، تعيد طرح الأسئلة الجوهرية التي طالما أُجلت باسم “الوحدة الوطنية”، و”الخصوصية السودانية”، و”الثوابت”. غير أن ما تطرحه اللحظة الراهنة – بكل عنفها وتمزقاتها – هو سؤال وجودي وأخلاقي، لا يمكن مواجهته بالمسكنات ولا بالتلفيقات،
نحن أمام خطّين تاريخيين متقابلين، بل متناقضين في جوهرهما:
١/ خط الدولة القديمة
وهو خط المحافظين، والبعثيين، وأحزاب المركز، والصفوة النيلية التي توارثت السلطة والثروة منذ الاستقلال. هؤلاء لا يسعون إلى بناء وطن، بل إلى ترقيع ركام السلطة المركزية باسم السلام، دون محاسبة ولا قطيعة.
وهو الخط الذي يتجاهل جذور الحرب، ويخشى مساءلة الجيش، ويريد عودة المنظومة نفسها التي فشلت في 1964، وأجهضت إمكانيات التغيير في 1985، وركبت ثورة ديسمبر 2019 لتعيد إنتاج الأزمة.
٢/ وخط السودان الجديد
وهو خطٌ ثوري، شعبي، أخلاقي، يعترف بالألم لا يمحوه، ويقدّم رؤية واضحة لبناء دولة على أسس جديدة:
دولة علمانية تكفل المساواة، ديمقراطية تضمن التعدد، لا مركزية تعيد توزيع السلطة، وعدالة تاريخية تنصف المظلومين، وتقرير مصير يعطي الشعوب حق اختيار مستقبلها بحرية.
إن تفوق مشروع السودان الجديد ليس تفوقاً عسكرياً أو خطابياً، بل تفوق أخلاقي وفلسفي وفكري، لأنه المشروع الوحيد الذي يعترف بجذور الجريمة، ويربط السلام بالعدالة، والعدالة بالتأسيس، والتأسيس بالتحرر الحقيقي من ميراث الدولة الكولونيالية–المركزية.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُبنى بالتواطؤ ولا بالمساومات الهشة، بل بالجرأة على مساءلة الذات وتفكيك المقدس السياسي.
وأمثلة جنوب إفريقيا، ورواندا، وبوليفيا، وحتى ألمانيا ما بعد النازية، تشهد بأن الاعتراف والمحاسبة وإعادة التأسيس الشامل هي وحدها طريق النجاة من دورات العنف.
إن السودان لا يعيش زمن “اللاحرب”، ولا لحظة تفاوض نخبوي كما يريدها البعث، بل هو في زمن قطيعة وجودية تُنهي قرناً من التسلط والتواطؤ والتهميش.
وهنا، لا مكان للحياد، ولا جدوى من الغموض.
فإما أن نكون في معسكر المستقبل، مع مشروع السودان الجديد الذي يضع الضحايا في قلب المعادلة،
أو نبقى أسرى الماضي، في تحالف الخوف، والإنكار، وإعادة إنتاج الدولة التي لم تكن يوماً للجميع.
السودان يُكتب من جديد.
والموقع من هذا الكِتاب، ليس مجازاً بل شهادة وجود.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!